318 - 401 - تفسير الآية ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم...) - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبة مع الله ألف عاطفة على ما سبق والباء هنا للسببية والظلم في الأصل النقص ومنه قولوا تعالى كلث الجنثين آث أكلها ولم تظلم منه شيئا وأما في الشراء
هو التعدي سواء كان بنقص واجب أو يفعل محرم وقول من الذين هادوا يعني بهم قام موسى حين قالوا إنا هدنا إليك أي رجعنا مع رجوعهم والتزامهم بالرجع الله ظلموا أنفسهم فبظلم من الذين هادوا
حرمنا عليهم طيبات لهم هذا الفعل هو العامل في قوله فبظلم يعني فالجار المسؤول فقال بظلم متعلق بقوله حرمنا والتحريم في اللغة المنع ومنه حريم البئر وهو ما حولها يمنع من إحياء ما حوله
ومنه صمي النساء حريما لاحتجابهم ومنع من التعدي عليهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم طيبات أي أطعمة طيبات فهي موصوف فهي صفة لموصوف محذوف والطيب ضد الخبيث والخبيث له إطلاقات متعددة تارت
من يرادب الشيء النجس تارت من يرادبه الردي وتارت من يرادبه المحرم مطلقا وقوله طيبات أحلت لهم أي كانت بالأول حلالا وهي باقي على طيبها لكن حرمت عليهم بسبب ظلمه أحلت لهم من المحل؟
المحل هو الله عز وجل لأنه هو الذي فيديه الأمر وبصدهم عن سبيل الله كثيرا الواحي حرف عط وصد مصدر يحتمل أن يكون من الفعل المتعدي ويحتمل أن يكون من الفعل اللازم وذلك لأن صد تكون لازما
يعني تكون الفعل اللازما وتكون متعديا فيوقات صد الرجل عن كذا بمعنى أعظم وصد غيره عن كذا بمعنى صرفه عنه وهنا يجوز فيه الأمران فهم قد صدوا بأنفسهم عن سبيل الله كثيرا وصدوا غيرهم أيضا
لما عندهم من الكتاب الذي يشبهون به ويموهون به على الناس ويقولون إن محمد صلى الله عليه وسلم ليس هو المبعوث المنتظر وما أشبه ذلك وقوله كثير عن سبيل الله المراد بسبيل الله شرعه الذي
شرعه الله لعباده وسمي سبيل الله لأنه طريق موصل إلى الله عز وجل ولأن الله تعالى هو الذي وضعه للعباد لم يشرعه أحد سواه فوضيف إلى الله تعالى باعتباره الاعتبار الأول أنه موصل إليه كما
تقول مثلا هذا طيق مدينة هذا طيق مكة والثاني أن الله أن الله هو الذي وضعه للعباد وشرعه لهم مع أنه يضاف أحيانا لسالكيه كقوله تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين فهنا أضاف السبيل إلى
المؤمنين باعتبار أنهم سالكوا وعلى هذا فإذا أضيف السبيل إلى الله كان باعتباره وإذا أضيف إلى العباد صار باعتبار واحد عن سبيل الله كثيرا كثيرا يختلف إعرابها باختلاف كلمة صد إن كانت
لازمة فهي صفة لمسطر المحذور أي صدودا كثيرا وإن كان متعدية فهي مفعول لصد وإن شئت فقل صفة لمفعول صد المحذور أي خلقا كثيرا وهم في الواقع تديرون بالوصفين فإنهم صدوا بأنفسهم وصدوا غيرهم
في هذه الآية فوائد كثيرة منها إثبات الأسباب إثبات الأسباب وأن الله تعالى قد يشرع الشيء لسبب لقوله فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات مؤهلهم ومن ذلك أن الله شدد على بني إسرائيل
الذين أمروا في ذبح البقرة إن قال لهم نبيه موسى عليه الصلاة والسلام إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة لو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لأزأهم وحصل المقصور لكن شددوا فشدد الله عليهم وإثبات
الأسباب انقسم الناس به إلى طرفين ووسط منهم من أنكر الأسباب مطلقا وقال إثبات الأسباب يقتضي إثبات خالق مع الله ومنهم من أثبت الأسباب على أنها فاعلة بطبيعتها ومنهم من أثبت الأسباب على
أنها فاعلة بما أودع الله فيها من القوى الموجبة للمسببات وهذا القول هو القول الوسط الذي دل عليه المنقول والمعقول فأي دعوة لخالق مع الله إذا قال إن الله خلق هذا الشيء ليكون سبب هذا
الشيء الكلان أي دعوة لخالق مع الله وأي دعوة تصح لإنكار تأثير الأسباب في مسبباتها أي دعوة كل يعرف أن الأسباب مؤثرة في مسبباتها ولهذا أحد الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق
بإذنه فأثبت الأسباب على أن الذي خلقها وأوجدها هو الله عز وجل ولذلك قد تتخلف المسببات بإذن الله كما تخلف إحراق النار لإبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أنها نار عظيمة محرطة حتى قيل
إنهم لم يستطيعوا أن يقربوا منها بل رموه إليها من منجنيق من بعد ومع ذلك صارت عليه بردا وسلاما وهذا يدل على أن السبب ليس يؤثر بنفسه بل بإرادة الله عز وجل وهو أيضا من حكمة الله عز وجل
أن جعل لكل شيء سبب ومن فوائد الآلة الكريمة أن الظلم سبب لحرمان الخير وهذا لقوله بل طيب الظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات وحرث لهم والظلم سبب لحرمان الخير الشرعي والقدر ألم
تعلموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام خرج ذات يوم ليخبر أصحابه بأن الليلة ليلة القدر فتلاحى رجلان من الأنصار أو من غيرهم فرفعت ونسيها عليه الصلاة والسلام هذا حمال لأمر قدري ولا شرعي
شرعي وهو أن من قامها إيمانا واعتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه لكن حرم الناس هذا الخير بسبب الظلم وهو التلاحي والتخاصل والتنازل ولهذا يغفر في ليلة القدر إلا للمتشاحين الذين بينهم
شحناء فإنه لا يغفر لهم كما تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل أحد إلا من بينه وبين أخيه شحناء فيقال أنظر هذين حتى أصطلعهم