277 - 401 - تفسير الآية ( من كان يريد ثواب الدنيا فعند...) - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

قال الله تعالى من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخر الإعراء من كان يريد ثواب الدنيا هذه جملة شرطية فعل الشرط فيها كان وجواب الشرط قوله فعند الله ثواب الدنيا والآخر واقترن الجواب بالفاء لأنه لا يصح أن يكون فعلا للشرط وكل جواب لا يصح أن يكون فعلا للشرط فإنه يتعين أن يقترن بالفاء كما قال ابن مالك رحمه الله وقرن بفاء حتما جوابا لو جعل شرطا لإن أو غيرها لم ينجعه هذا هو الضابط وقد حصلها ما يشمل هذا الضابط لسبع جمل مذكورة في قوله اسمية طلبية وبجامد وبما وقد وبلا وبالتنفيذ وقول عند الله ثواب الدنيا والآخر جملة خبرية قدم فيها الخبر لإفادة الحصر لأن من قواعد البلاغة أن تقديم ما حقه التخير يقتضي الحصر وكان الله يصمع مصيرا واضح عرام يقول الله تعالى من كان يريد ثواب الدنيا أي جزاءها وموتعها وزهرتها فقد فاته الخير الكثير لأنه حرم ما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة ولهذا لم يقل من كان يريد ثواب الدنيا نؤتيه منها كما جاء ذلك في آية أخرى نؤتيه منها وما له في الآخرة من النصيب بل جاء الجواب على خلاف ما يتوقع السامع يعني فكأنه لم ينل شيئا وهذه الآية لها شواهد كثيرة أن من أراد الدنيا فإن الدنيا والآخرة تفوت ثم هل ينال ما أراد من الدنيا الجواب لا لقول الله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلىها مذموما مجحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيا فأولئك كان سعون مشكورا ثم من أراد الآخرة هل تفوته الدنيا لا ولهذا قال عز وجل ومن كان يريد حرث الآخرة نؤتيه منها ومن كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤتيه منها وما له في الآخرة من نصي فمن أراد الآخرة لم تفوته الدنيا ومن أراد الدنيا قد تفوته الدنيا والآخرة وإن تته الدنيا فإنه لا يتاء إلا منها لا كل ما يريد هذا هو الحاصل في الإرادات ومن أراد الدنيا والآخرة معا فهل نقول إنه بين درجتين أو نقول إنه ينال ثواب الدرجة الثانية وهي إرادة الآخرة نقول هنا أي ما أغلب في من أراد الدنيا والآخرة إذا كان الأغلب الآخرة فإنه ينال ثواب الدنيا والآخرة وإذا كان الأغلب الدنيا فإنه ينقص من ثواب الآخرة بقدر ما نوى من الآخرة نعم بقدر ما نوى من الآخرة فإذا كان نوى الآخرة كلها حصلوا الثواب كله أو بعضها يحصل له أقل وقد جاءت الأحاريث شاهدة بهذا فأن عمر بن خطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال في النيات وإنما لكل مرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسول ومن كانت هجرته إلى دنيا نصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هجر إليه ولهذا نجد الذين يريدون الدنيا أحياناً يوفقون في الدنيا ويحصل لهم مرادهم أو بعضهم وأحياناً لا يحصل لهم ويكون أشد فقراً من المصري وقوله عز وجل ومن كان يريد ثواب الدنيا من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة يعني وقد فاته ما يريد لأنه في الواقع قد يؤتى ما يريد أو بعضه ثم لو أتي فإنه لن يدوم بل سيموت أو يفقد ما أتي وكان الله سميعاً بصيراً يعني أنه ثبت ثبوتاً أزلياً وأبدياً هذا الاسم بل هذان الاسمان السميع والبصير وما تضمناه من صفة وهي السمع والبصر وقد مر علينا أن السمع المضاف لله تعالي أن قسم إلى قسمين وتفرع من هذين القسمين أقسام كثيرة وأظن أننا لا نطيل بإعادة ما سبقه في هذه الآية الكريمة عدة فواعد أولاً ترتيب الثواب والجزاء على النية لقوله من كان يريد وعلى هذا فيجب على الإنسان أن نصحح نيته تماماً وأن لا ينوع في عمل الآخرة إلا الآخرة وأما ما عمل الدنيا فهو للدنيا فهو للدنيا ومن ثوائد هذه الآية الكريمة الرد على الجبرية وذلك بإثبات الإرادة للعبد والجبرية يقولون أن العبد ليس له إرادة وأنه مجبر على عمله فليس له إرادة وهذه الآية وغيرها يرد عليها ومنها بيان خطاق رتبة الدنيا عند الله عز وجل ولهذا قال فعند الله ثواب الدنيا والآخر قال ابن القيم رحمه الله في النية لو ساوت الدنيا تناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفران لكنها والله أحقر عنده من ذا الجناح القاصر الطيران يعني لو أن الدنيا تساوي جناح بعوضة ما سق الله أحد من الكفار ولا أنعم عليهم بشيء بكفرهم لكن يتمتعون بها لأنها ليس عند الله بشيء سواء تمتع بها أولياؤها أو أعداؤها وهذا هو الواقع فالدنيا إذا لم تكن وصيلة للآخرة فالآخرة فيها حتى لو نعم فيها الإنسان فإن هذا النعيم جحيم ولذلك تجد أشد الناس حرارة وأسا وحزنا وقلقا هم أصحاب الدنيا ولا يقرنك ما عندهم من اللباس والقصور والنعيم والسيارات وغيره قلوبهم والله أسوأ حالا من أفقر المسلمين وقال بعض السلف لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجال دون عليه بالصيوف ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن الذي يعطي الثواب هو الله عز وجل لا غير عند الله ثواب الدنيا والآخر ويتبرع على هذه القاعدة أن لا نعتمد فيما نرجوه من ثواب الدنيا والآخر إلا على من إلا على رب عز وجل لأنه الذي بيده الأموم حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبوا الله لك ومن فوائد هذه الآية إثبات الآخر ولم نقل إثبات الدنيا لماذا لأنه ما يحتاج لو قلنا إثبات الدنيا كثواب الدنيا لك كان هذا من باب اللغة السماء فوقنا والأرض تحتنا وكأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء سلاه الله خير على هذه الفائدة العظيمة نعم أقول هذه الآية تدل على ما ذكرنا من إثبات الآخرة وأنها آتية لا بد منها وأنها هي الغاية لكل حي ولهذا يجب علينا أن نشعر بأننا نحن في هذه الدنيا مسافرون فالمسافر تماما بل أعجل من المسافر ولأن المسافر يسير ويمكث ينزل ينام يستريه يريح الإبل لكن الحي في الدنيا لا يستريه وسائر ليلا ونهارا قائما وقاعدا ومضطجعا وسائرا في كل حال فعلينا أن نشعر أنفسنا بهذا لألا نتخذها وطنا ومن نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان على العباد جميعا أنه لم يجعل نعيم هذه الدنيا كاملا بل ينغص لألا يتخذ الإنسان مقرا ووطنا بل يعرف أنها ليست دار مقر صفها كدر وراحتها عناء لهذا يقول أن الآخرة هي الأهم ومن فوائد هذه الكريمة إثبات اسمين من أسماء الله ما السمير والبصير وإثبات ما يترتب عليهما من وصف وهو يا أخ طيب وإثبات ما يترتب عليهما من أثر وهو أنه يسمع ويبصر يعني ليس سميعا بلا سم أو بلا بصر ولا ذا بصر بدون أن يبصر أو ذا سم بدون أن يسمع