260 - 401 - تفسير الآية (ومن أحسن دينا من أسلم وجهه...) - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
قال الله تبارك وتعالى وَمَنْ أَحْسَنُوا قَوْلًا وَمَنْ أَحْسَنُوا دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمْ وَجْهُهُ لِلَّهِ وَوْمُحْسِنُوا وَاتَّبَعَ مِنَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ
اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيدًا من هنا اسم السفهام والمراد به النفي وقد قلنا عدة مرات أن النفي إذا جاء بصيغة السفهام كان أبلغ مما لو أتى بصيغة النفي الصريحة وذلك لأنه إذا أتى بصيغة
السفهام صار مشرباً معنى التحدي أي كأن المتكلم يقول إيتني بأحسن من كذا إيتني بأظلم ممن افترع الله كذباً وما أشبه ذلك وقلوا ديناً هنا منصوب على التمييز لأنه وقعت بعد اسم التفضيل فإذا
قال قائل هي تميز لأي شيء قلنا لكلمة أحسن لأن أحسن مبهمة لا ندري إلى أي شيء تضاف فإذا جاءت بعدها كلمة منصوبة فهي مميزة لها مبينة لها والدين هنا بمعنى العمل وإنما قلنا ذلك لأن الدين
يطلق بمعنى الجزاء مثل قول الله تعالى مالك يوم الدين وبمعنى العمل كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى لكم دينكم ولي دين وكما في قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم يقول إذن ديناً أي
عملاً فالعمل الذي يبتغي عامله بذلك مقابله يسمى دين ممن أسلم واجهه لله أسلم الإحسان بمعنى الإخلاص أي جع فوض أمره إلى الله عز وجل وهذا يعني الإخلاص في القصد وهو محسن جملة حالية من من
في قوله ممن أسلم والإحسان هنا الموافقة للشريعة فيكون في الآية هنا دليل على شرط العبادة وهما الإخلاص والمتابعة فالإخلاص في قوله ممن أسلم واجهه لله والمتابعة في قوله وهو محسن لأن
إحسان العمل هو موافقة الشريعة واتبع ملة إبراهيم حنيفة هذه جملة معطوفة على ما سبق للتوكيد المعنوي لأن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي الإخلاص والقيام بالشريعة فيتكون هذه الجملة
كأنها مؤكدة لما سبق ومتضمنة له وقوله إبراهيم هو أبو الأنبياء لأن الأنبياء من بعده كانوا من ذريته وفيها قراءتان إبراهيم وإبراهام أي إبدال الياء ألفا وإذا أبدلت الياء ألفا لازم فتح
الهاء وقوله حنيفا يحتمل أن يكون حالا من فاعل اتبع وأن يكون حالا من إبراهيم أفهمتم؟
وأيهما أرجح؟
الأرجح الثاني لقوله تعالى ثم أوحين إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ومن المعلوم أنه إذا كان إبراهيم حنيفا وأمرنا باتباع ملةه فإننا سوف نكون حنيفا واتخذ الله
إبراهيم خليلا الواهنا السنافية وليست عاطفة فكأنه عز وجل السأنف ليبين مرتبة إبراهيم الذي أمرنا باتباعه لأن الله اتخذه خليلا والخليل هو من هو ذو المحبة الخالصة وسمي بذلك لأن المحبة
شملت جميع جسده حتى تخللت عروقة وفي ذلك يقول الشاعر قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلا في هذه الآية الفواعد أولا الحث على الإخلاص وأن المخلص المتبع للشريعة نعم الحث على
الإخلاص لقوله ممن أسلم وجه الله ومنها الحث على المتابعة لقوله وهو محسن ومن فائدها أنه لا أحد أحسن دينا ممن هذا وصبه وعلى هذا فلو قال النصارى إنهم أحسنوا دينا من المسلمين ماذا نقول
نقول هذا كذب لأنه فقد منهم الخلاص والمتابعة جميعا فالنصارى معلوم أنهم يقولون بالتثليث وهم أيضا لم يعتبروا شريعة الله حيث كفروا بمحمد صلى الله عليه وآلان وسلم ومن فائد الآية الكريمة
فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث أمرنا باتباعه وهذا يعني أنه إمام ولهذا يطلق عليه العلماء اسم أو لقب إمام الحنفاء ومن فائد هذه الآية الكريمة أن الله اتخذ إبراهيم خليلا وهذه من
قبع له عظيمة أن الله اتخذه خليلا وهذا اتخذ غيره نعم وهو رسول الله صلى الله عليه وآلان وسلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ومن فوائدها
الإشارة إلى أن الخلة أعلى رتبة من المحبة لاختصاص إبراهيم بها ومحمد صلى الله عليه وسلم ولو كانت بمعناها أو في مرتبتها لكانت ثابتة لجميع من يستحق المحبة ومن المعلوم أنه لا سعى أن
تقول إن الله اتخذ المؤمنين أخلاء لأن الخلة خاصة ومن ثم نعلم خطأ من يقول إبراهيم الخليل ومحمد الحبيب لأن هذا تنقص للرسول عليه الصلاة والسلام حيث أنزل مرتبته من الخلة إلى المحبة التي
يشترك فيها حتى المؤمن المتقي المقصد الصابر ومن فوائد الآيات الكريمة إثبات أفعال الله عز وجل لقوله واتخذ واتخذ الله إبراهيم خليلا والاتخاذ حادث بعد وجود سببه وهذه ما يعبر عنها أهل
العلم بقيام الحوادث بالله عز وجل أي بأنه تبارك وتعالى يفعل ما يريد ما تشاء خلافا لمن قالوا إنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية وأنه لا يتجدد له فعل لا كلام ولا خلق ولا غير ولا شك أن
هذا قول باطل ومضمونه نقص الله عز وجل حيث لا يفعل ما يشاء ما تشاء شاء