257 - 401 - تفسير الآية ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب...) - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

أعوذ بالله من الشيطان العظيم قال الله تبارك وتعالى ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب الخطاب في قوله ليس بأمانيكم لهذه الأمة ولا أماني أهل الكتاب يعني بذلك اللهود والنصار وذلك أن اللهود والنصار قالوا نحن أهل الكتاب ونحن أسبق منكم ونحن أولياء الله وأحباؤه وما إلى ذلك يريدون أن يفضلوا أنفسهم على هذه الأمة هذه الأمة تقول إن رسولنا خاتم النبيين وأن هذه الأمة فضلت عن الناس وتريد أن تكون أفضل من بني إسرائيل من أهل الكتاب ففصل الله بينهم وحكم بينهم بحكم عدل فقال الأمر ليس بأمانيكم يا أيها المسلمون ولا بأماني أهل الكتاب وليس الأمر يعطى على حسب أمنية الشخص إذا حصل له ما تمنى كما قال الله تعالى أمن الإنسان ما تمنى فلله الآخرة ولله الآخرة والأولى وقول أهل الكتاب عن اليهود والنصارى والكتاب يرادوا بالتوراة بالنسبة لليهود والإنجيل بالنسبة للنصارى ثم جاء الحكم فقال من يعمل سوء يجز به من يعمل منهد الشرطية ويعمل فعل الشرط ويجزى جواب الشرط به أي بسوءه سواء منكم أيها سواء منكم يا هذه الأمة أو من أهل الكتاب من يعمل سوء يجزى به وإذا نظرنا في هذا الحكم وجدنا أنه ينطبق على أهل الكتاب أكثر مما ينطبق على هذه الأمة لأن أهل الكتاب عملوا سوء وذلك بتكذيبهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيجزون به ولا يجد لهم معطوفة على جواب الشرط ولا يجد لهم من دون الله وليا ولا نصيرا من دونه أي من سواه وليا يتولاه بتحصيل المصالح ولا نصيرا يدافع عنه المساوئ أو المفاسد في هذه الآية دليل على فوائد منها أن التمني لا يجدي شيئا لقوله ليس بأمنيكم ولا أماني أهل الكتاب وهذا يشهد لما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمان ومن فوائد هذه الآية الكريمة العدل بين المتخاصمين حتى وإن كان أحدهما على حق والثاني على باب فالواجب العدل وأن يحكم إلى كل واحد ما يستحق وجه ذلك نفي كون الشيء بالأمان بالنسبة للمسلمين والليهود والنصار ثم إثبات أن من عمل سوءا يوزي به وهذا غاية العدل ولهذا قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قوَّامِنَا لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِصْرِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُوا قَوْمٍ أَلَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هو أقرب للتقوى ومن فوائد الآية الكريمة التهديد لمن عمل سوءا لقوله من يعمل سوءا يجزى به فإن عمله لن يضيع وسوف يجزى به والآية مطلقة فهل يجزى في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما نقول أما إذا كانت العقوبة في الدنيا عقوبة شرعية فإنه لا يجمع عليه بين العقوبتين ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أصاب حدا فأقيم عليه في الدنيا كان كفرة له وأما العقوبات غير الشرعية وهي العقوبات القدرية التي ينزلها الله تعالى بالمر من مرض أو فقر أو غير ذلك فهذه قد تكفر السيئات ولا يبقى عليه شون في الآخرة وقد لا تكفر السيئات جميعا ومن فواعد هذه الآية الكريمة جواز إخلاف الوعيد لأن من يعمل سوءا يجزى به وعيد ولكن الله تعالى قاله في كتابه إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهذا يدل على أن من عمل سوءا قد قد يغفر الله له ما عد الشرع فإذا قال قائل كيف نجيب عن هذه الآية من يعمل سوءا يجزى به وهي خبر قلنا هذه يراد بها التهديد وهي من باب الوعيد والعفو عن الوعيد من باب الكرم وهو مدعيه وليس دميه ولهذا امتدح الشاعب نفسه بقوله وإني وإن أوعدته لمخلف إعادي ومنجز موعد ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن الإنسان لا يجازى بأكثر مما عمل من السوء لقوله يجزى به والباء هنا للعبض أو البدل بخلاف من عمل حسنا فإنه يعطى أكثر كما في آيات أخرى ومن فوائد الآية الكريمة كمال قوة الله تعالى وسلطانه لقوله ولا يجده من دون الله وليا ولا نصيرا ومثل هذه الآية قد تكررت في القرآن كثيرا مثل قوله تعالى وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ومثل قوله تعالى يوم تقلبوا وجوه في النار قبلها لا يجدون خالفا فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا وهذا كثير لأن الله سبحانه وتعالى كامل القوة وكامل السلطان فلا أحد يمنعه ولا أحد يدفعه ومن فوائد الآية الكريمة أن المصائب في الدنيا كفارات لأنها نوع من الجزاء وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من غم ولا هم ولا حزن يصيب العبد إلا كفر به عنه حتى الشوكة إذا أصبت فإن الله يكفر بها عنه