168 - 401 - تفسير الآية ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون...) - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ثم قال تعالى فليقاتل في سبيل الله الذين يشعون الحياة الدنيا في الآخرة فليقاتل ألف عاطفة وتدل على ارتباط ما بعدها بما قبلها والارتباط واضح لأن الذي قبلها فيه ذكر من لا يريد القتال
في سبيل الله أما هذه ففيها ذكر الصنف الآخر الذي يقاتل في سبيل الله واللام في قوله فليقاتل لام الأمر وسكنت مع أنها مكسورة لوقوعها بعد الفاء ولام الأمر تكسر إذا وقعت بعد الفاء أو
الواو أو ثم مثل قوله تعالى هنا فليقاتل ومثل قوله تعالى ثم ليقضوا تفتهم واليوفوا نذورهم ثم ليقضوا واليوفوا بخلاف لام التعليل التي تسمى لامكي فإنه يجب أن تكون مكسورة بكل حال مثل قوله
ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا يجب أن تكسرها ولا تقل وليتمتعوا لأن كذا قلت هكذا اختلف المعنى وقوله الذين يشرون الذين فاعل يقاتل وقوله يشرون بمعنى يبيعون مع أنها في لغتنا العامية
بمعنى يشترون وليس كذلك يشرون يعني يبيعون ومن هذا قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتراء مرضات الله يشري نفسه يعني يبيع نفسه أما إذا كان آخذا فيقال اشترى فالمعطي شارل والآخذ مشتري
الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة أي يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة فيجعلون البدل بدل الحياة الدنيا هي الآخرة وهؤلاء هم الذين اغتنموا الأعمار وهم الذين اكتسبوا الحقيقة أن أخذوا
الآخرة بالدنيا ولم يكونوا كالذين قال الله فيهم بل تؤذنون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ومن يقاتل من هذه الشرطية والفعل بعدها مجزوم وجواب الشرط قوله فسوف نعتيه أجر عظيم أما فيقتل
أو يغلب فهي معطوف على قبعد الشر ومن يقاتل أي أي إنسان يقاتل في سبيل الله وهو الذي قاتل لتكون كلمة الله العليا كما فسر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقتل أو يغلب إن قتل فهو
شيء أو غلب فهو فائز ولا يبطل غلبه أجره ولهذا قال فسوف نعتيه أجرا عظيم فهو غانم على كل حال إن قتل قتل شهيدا وإن غلب غلب سعيدا وهذا كقوله تعالى قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين
وهما الشهادة أو النصر والغلب ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فيقتل أو يغلب فسوف نعتيه أجرا عظيما أي ثوابا عظيما وسمى الله تعالى الثواب أجرا تشبيها له بأجل
العامل الذي يستعجره الإنسان لعمل شيء ما ثم يعطيه أجرا والمقصود بذلك أن الله تعالى التزم بإثابة هذا العامل كما يلتزم المستأجر بإعطاء العامل أجرا ولهذا سمى الله العمل له قرضا مع أن
الله لا يحتاج وسمى الثواب عليه أجرا كأنه استاجر أجرا ليعطيه أجرا وقول أجرا عظيما هو أجر الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إن الله أعد للمجاهدين في سبيله مئة درجة يعني في
الجنة وهذا هو الأجر العظيم في هذه الآية الكريمة فوائد منها وجوب قتال الأعداء لقوله فليقاتل ومنها وجوب إخلاص النية في القتال لقوله في سبيل الله ووجه ذلك أن المقاتلين منهم من يقاتل
شجاعة ومنهم من يقاتل حمية يعني عصبية لقوميته أو لوطنه ومنهم من يقاتل لورى مكانه أي مراءة فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله
إذن القتال في سبيل الله هو القتال لتكون كلمة الله هي العليا وهل المعنى ليؤمن الناس الجواب لا لتكون كلمة الله العليا إما بالإيمان بإيمان المقاتلين وإما بذلهم وباذلهم الجزية لقوله
تعالى ولا قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا بالهم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يجنون لدينا الحق من الذين ورثوا الكتاب حتى يعطوا الجزية تعيد وهم صغروا ومن فوائد الآية
الكريمة بيان عنو همة هؤلاء المقاتلين وهو أنهم يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة وهذا من قوة إيمانهم وصدق عزائمهم وعنو همتهم لأنهم يؤمنون بأن هناك آخرة وعندهم عزيمة قوية يغلبون بها أهواء
وإلا فكم من إنسان يغلب جانب الحياة الدنيا ويقول درهم منقود خير من ألف درهم موعود ولا شك أن هذا يدل على عدم إيمان وإلا لو أنه مؤمن لكان هذا الموعود الذي وعد به وهو خير مما نقد له
لكان يعمل له ويعلم أنه ليس بينهم وبين هذا الموعود إلا القليل من الزمن وأن ما يحصل له من المنقود لا يساوي شيئا بالنسبة للموعود حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام لموضع صوت أحدكم في
الجنة خير من الدنيا وما فيها والصوت ليس بالطويل وهو خير من الدنيا كلها وما فيها وليس الدنياك أنت أو الدنيا التي أنت في عهدها بل الدنيا من قبل آدم من أولها إلى آخرها موضع صوت أحدهم
في الجنة خير من الدنيا وما فيها فهذا هو العاقل الحازم المؤمن الصادر ومن فائد هذه الآية الكريمة أن المقاتل في سبيل الله ناجح على كل حال لقوله ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب
فهو غانم ناجح في كل حال سواء قتل أو غلب فهو على أجل عظيم ومن فائد الآية الكريمة بيان عظمة الرب عز وجل لقوله فسوف نؤتيه وجه ذلك الجمع ضمير الجمع لأننا نعلم أن الله إله واحد فكل ما
أضيف إلى الله عز وجل من ضمائر الجامع فالمراد بها التعظيم نعم مصيره أن النبي صلى الله عليه وعلا وسلم سئل عن الشهادة فقال تكفر كل شيء ثم انصرف السائل فناداه فقال إلا الدين أخبرني
بذلك جبريل آنفا فدل هذا على أن حقوق الآدمي لا تسقط بالشهادة وهو كذلك لأن حقوق الآدم لابد أن تؤدى إليه لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن من أخذ أموال الناس يريد وأداها
أدى الله عنه