139 - 401 - تفسير الآية ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم...) - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

ثم قال إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصيهم نارا وقال بعدها والذين آمنوا وعملوا الصالحات وهكذا طريقة القرآن مثاني يعني إذا جاء ذكر أهل النار جاء ذكر أهل الجنة إذا جاء ذكر المتقين جاء ذكر المجرمين وهكذا حتى يكون الإنسان سائراً إلى الله بين الخوف والرجاء وحتى لا يمل لو كان الكلام على نسق واحد قال إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصيهم كفروا بها ألي جحدوها وأنكروها وأصل المادة كفر من السطر والتغطية ومنه سمي الكفر الذي هو غلاف طلع النخل وقوله بآياتنا يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية فمن الكفر بآيات الشرعية تكذيب الرسل وعدم الجزام بما جاءت به الرسل من الشرعية ومن الآيات الكونية الكفر بآيات الكونية أن ينسوا هذا الكون إلى غير الله أو يقول إن أحداً أعانى الله فيه أو يقول إن أحداً له فيه شرك كلها من التكذيب بالآيات ومن ذلك من ينكر أو من ذلك إنكار الكسوف أن يكون وقع إنذاراً من الله عز وجل وتخويفاً لأن بعض الناس يقولون إن الكسوف سببه أمر عادي وليس من أجل أن يخوف الله به العباد وهذا كفر يعتبر نوعاً من الكفر وليس كفراً مخرجاً عن ملة لكنه نوع من الكفر سوف نصليهم ناراً سوف يقول المعربون إنها حرف عقيلة حرف إيش؟ تسويف يعني تدل على تحقق وقوع الشيء لكن بعد زمن لأن التسويف بمعنى التأخير ومنه قولهم سوف في التوبة يعني أخرها فمعنى سوف يعني أنهم سوف يصلون لكن بعد زمن وقوله نصليهم ناراً أي نجعلهم يصلونها حتى تحرقهم كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب كلما نضجت أن نضج معناه قلوغ غاية في الكمال يعني أنها إذا نضجت من احتراء واحترقت فإنها تبدل جلوداً غيرها غير الأولى لأن الأولى احترقت وزالت لماذا؟ ليذوقوا العذاب أي الألم لأن الجلد إذا احترق صار حائلاً دون بقية الجسم فلا يحسون بالنار لكن إذا بدل بجلد آخر جديد حينئذ أحسوا بحر النار أعادنا الله وإياكم منها فهم كلما نضجت بدلناهم وكلما حرف شرط يدل على التكرار يعني أنهم دائماً وآبداً كلما نضجت الجلود الجلود والدلود جلوداً غيرها لهذه الحكمة ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيمة العذاب يعني الألم الذي يعذبون به إن الله كان عزيزاً حكيماً كان فعل ماضي لكنه لا يراج بها الزمن فهي تدل على تحق الاتصاف بما دل عليه خبرها بدون التقييد بزمن ولهذا يقولون إنها مسلوبة الزمان في هذا لماذا؟ لأننا لو قلنا إنها دال على الزمان لكانت العزة والحكمة قد انتهت وذهبت وقوله عزيزاً العزيز قال العلماء إن له ثلاثة معاني الأول عزة القدر والثاني عزة القهر والثالث عزة الامتناع أما عزة القدر فمعناها أنه ذو قدر عظيم دائما في له شيء وأما عزة القهر فمعناها أنه الغالب القاهر لكل ذي جبروت وأما عزة الامتناع فمعناها المنتنع عن كل عيب ونقص وسوء ومنه قولهم أرض عزاق يعني صلبة صلبة امتنع عن الرخاوة وكل هذه المعاني وربما يحتمل معاني أخرى أيضاً كلها ثابت الله قل لله العزة جميعاً وأما الحكيم فإنه مشتق من الحكمة وهي الاحكام والإفقان ومن الحكم وهو القضاء والفصل والله سبحانه وتعالى حكيم ذو حكمة بعدها وحكيم بمعنى حاكم فاصل بين عباده ترجع الأمور كلها إليك كما قال الله تعالى ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين والأعلم أن حكم الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى حكم كوني قدري وحكم شرعي ديني أما الحكم الكوني القدري ومثلوا له بقوله تعالى عن أحد إخوة يوسف فلن أبرح الأرض حتى يألن لي أبي أو يحكم الله لي يريد بذلك حكماً قدرياً لا حكماً شرعياً لأن الله تعالى لم يمنعه شرعاً من الرجوع إلى أهله ولكنه يريد بذلك أن يحكم له حكماً قدرياً وأما الحكم الشرعي فدليله ومثاله قوله تبارك وتعالى في صورة الممتحنة لما ذكر ما ذكر من الإحكام قال ذلكم حكم الله يحكم بينكم هذا حكم شرعي وقد يجتموا القسمان في آلة واحدة مثل قوله تبارك وتعالى له الحكم وإليه ترجعون ومثل قوله ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ومثل قوله أليس الله بأحكم الحاكمين فالمهم أن الحكم حكم الله عز وجل انقسم إلى كون قدري والثاني شرعي ديني وذكرنا لكل واحد دليلاً ولكل واحد مثالاً وذكرنا ما يجمع القسمين وكل ذلك موجود في القرآن فإن قال قائم أيهما الذي يكون نافداً في العباد ولا بد الكوني أو القدري أو الشرعي الكوني القدري هذا نافذ في العباد ولا يمكن أحد أن يعاند فيه أو يمانع فيه وأما الحكم الشرعي الذي يكون الله فيه في العباد فمن العباد من يقبل ويقوم به ومن العباد من لا يقبل ولا يقوم به الحكمة وهي أحد المعنيين في قولي حكيماً هو ذهب من الإحكام وهو إتقام الشيء فالشيء المحكم والشيء المتقن وفسرها بعض العلماء بأنها وضع الأشياء في مواضعها بمعنى أنك إذا رأيت هذا الشيء قلت لا يصلح به في مكانه إلا هو ثم هي الحكمة حكمة في نفس الشيء وحكمة في غاية الشيء بمعنى أن هذا الشيء في نفسه مطابق للحكمة والثاني أن الغاية من حكمة محمودة ولننظر إلى الوضوء مثلاً كونه على هذا الوجه يبدأ أولاً بالوجه ثم باليدين ثم بالرأس ثم بالأذنين وكونه بعض الآضاء غسل وبعض الآضاء مسل هذا أهد من الحكمة لا شك يعني كونه على هذه الصورة المعينة حكمة ثم الغاية منه وهو التطهير من الذنوب والتطهير من الأحداث هذه غاية حميدة بلا شك إذن الحكمة تكون في ذات الشيء وفي غاية الشيء وكل هذا ثابت في حكمة الله عز وجل وإذا قلنا إن الحكم كوني وشرعي والحكمة حكمة في ذات الشيء وحكمة في غاية منه صار جميعاً كم قسماً أربعة اقسام وإن شاء الله بقد تكلم على الآية على الآية