121 - 401 - تفسير الآية ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه...) - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
قال الله تعالى من الذين هادوا يحرفون الكلمة عن مواضعهم من هذه التبعير والذين هادوا أي رجعوا وهم اليهود رجعوا عن عبادة العجل فسموا الذين هادوا لقوله تعالى إنا هدنا إليك أي رجعنا
إليك وقول يحرفون الكلم الجملة هذه لا يصف أن تكون مبتدأا لأن الفعل لا يبتدأ به وإذا لم يصح أن تكون مبتدأا فكيف نعربها نقول إنها صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ والتقدير من الذين هادوا
يحرفون الكلمة عن مواضعهم من الذين هادوا قوم يحرفون الكلمة عن مواضعهم وقال بعض النحويين إن من التبعيضية هسم فتعربوا على أنها مبتدأ لأن تقدير من التبعيضية بعض الذين هادوا يحرفون
الكلمة عن مواضعهم وعلى هذا فأكون من بصورة الحرف ولكنها اسم وتكون هي المبتدأ وجملة يحرفون هي الخبر ولا حاجة إلى التقدير ولها نظائر في القرآن نسل قوله تعالى ومن أهل المدينة مردوا على
النفاق تقدير ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق كل من القولين له وجه أما الذين قالوا إن من التبعيضي هسم فيرجح قولهم أننا لا نحتاج إلى تقدير في الآية وإذا دار الكلام بين التقدير
وعدمه فعدم التقدير أولى لأن الأصل عدم الحذف وأما الثاني فيقويه أن من التبعيضية حرف واستعمالها اسما إخراج لها عن موضوعها الأصلي فنكون نتكبنا مجازا آخر مجازا بتقديرنا إياها اسما
ويكون التقدير تقدير الاسم أرجح ويسمى هذا إيجازا بالحذف لأن الإيجاز إيجازا بالحذف وإيجازا بالقصر يعني جملة قليلة لكن تحتمل معنا كثيرا هذا إيجازا بالقصر جملة فيها أشياء محذوفة هذا
إيجازا بالحذف قولوا يحرفون الكلمة عن مواضعه أي يصرفونه والتحريف التصريف ومنه حرف الدابة عن جهة سيرها أي صرفها والكلم اسم جمع واحده كلمة واحده كلمة قال ابن مالك الألفية واسم وفعل ثم
حرف الكلم واحده كلمة والمراد بالكلم هنا ما أنزله الله تعالى على رسله من الوحي وقوله عن مواضعهم أي يصرفونه عن ما أراد الله عز وجل به لأن ما أراده الله بكلامه فهو موضعه قال العلماء
والتحريف نوعان تحريف اللفظي وتحريف معنوي قد ينفردان أي ينفرد أحدهم على آخر وقد يجتمعان ثم التحريف اللفظي قد يتغير به المعنى وقد لا يتغير به المعنى والنضب لكل واحد المثال التحريف
اللفظي المعنوي كتحريف بعضهم قوله تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا إلى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا فهذا تحريف اللفظي المعنوي لفظي لأنه جعل لفظ الجلالة منصوبا بعد أن
كان مرفوعا معنوي لأنه تغير به المعنى حيث كان دالا على أن المكلم وموسى ومثال التحريف اللفظي الذي لا يتغير به المعنى أن يقول القارئ الحمد لله رب العالمين فهنا التحريف لفظي لأنه كان
يجب أن يقول رب العالمين لكن هذا التحريف لا يتغير به المعنى ومثال التحريف المعنوي مع إبقاء اللفظ على حاله تحريف أهل التعطيل قول الله تعالى الرحمن على العرش استوى باستولى فهم لم يغير
اللفظ اللفظ قد أقوه على ما هو عليه لكن قالوا المراد بالاستواء الاستيلاء وهذا تحريف معنوي طيب ثم إن هذا التحريف المعنوي سماه متبعوه تأويلا وقالوا التأويل صرفوا الكلام عن ظاهره إلى
المعنى المخالف الظاهر لدليل فسموا هذا التحريف تأويلا ولكن نقول هذه التسمية تمويه على السامع لأن التأويل أن نصف الكلام عن ظاهره لدليل صحيح وأما الدليل الذي استدلوا به فهو دليل وهمي
وليس له أصل من الصحة وعليه فنقول إذا أول الإنسان الكلمة عن ظاهره إلى معنى المخالف الظاهر فإن كان هناك دليل من كتاب أو سنة فإنه مقبول وإن لم يكن له دليل فإنه غير مقبول فإذا قال قائل
إن المراد بقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله إذا أردت أن تقرأ القرآن قلنا هذا غير مقبول حتى تأتي لنا بدليل قال نعم عندي دليل وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعوذ
عند إرادة القراءة لا عند إنهاء القراءة فنقول هذا مقبول وعلى العين والرأس الدليل فعل الرسول عليه الصلاة والسلام وإذا قال قائل الرحمن على العرش استوى يستولع قلنا هذا صرف للكلام عن
ظاهره وهو غير مقبول لأنه لا دليل عليه فصار التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إن دل عليه دليل فهو مقبول ونسميه تفسيرا وإن لم يدل عليه دليل فهو مرفوض ونسميه تحريفا هؤلاء الذين هادوا
أو بعض هؤلاء الذين هادوا حرفوا الكلمة عن مواضعه لا بالنسبة لعيسى ولا بالنسبة لمحمد عليه الصلاة والسلام أما عيسى فادعوا عليه ما برأه الله منه أنه ولد بغي وأنه لا يسف أن يكون رسولا
لأن الرسل طاهرون مطهرون وهذا ولد بغي فليس برسوله وقتلوه حكما لا حقيقة لأنهم قالوا إن قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله فأقروا على أنفسهم بقتله فيكون لهم حكم الذين قتلوه أما حقيقة
فقد قال الله تعالى وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبها لهم وحرفوا الكلمة بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا ليس هذا فطولا منتظر وكانوا قبل أن يبعث يستفتقون على الذين كفروا يقولون
سيبعث نبي ونتبعه ونغلبكم لكن لما بعث من بني إسماعيل وكانت بني إسماعيل بني عمهم حسدوهم لأنهم يعرفون صفته في التوراة والإنجيل ويعرفون أنه أفضل نبي وكانوا يظنون أن سيكون من بني
إسرائيل على غير أصل لأنهم لو رجعوا للأصل لوجدوا أن التوراة والإنجيل صرحت بأنه يبعث من أم القرى ويقول المؤرخون إن تجمع اليهود في المدينة إبا نبيعته الرسول عليه الصلاة والسلام كان
بناء على أنهم يعلمون أن مهاجره مهاجره هي المدينة فقال نستقبله ونؤمن به فاليهود حرفوا الكلم عن مواضعه بالنسبة لرسالة عيسى وبالنسبة لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون سمعنا
وعصين صراحة أو العياذ بالله سمعنا وعصين وهذا غايث ما يكون من المهادة لله عز وجل ورسله أن يقول البشر سمعنا وعصين والعصيان مخالفة الأمر أي الخروج عن الطاعة إن كان أمرا فبتركه وإن كان
نهيا فبارتكابه هذه المعصية هذه المعصية