189- شرح رياض الصالحين / باب الإيثار والمواساة/ ويؤثرون على انفسهم-من يضيف هذا الليلة / بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
باب الإيثار والمواساة قال الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وقال تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا إلى آخر الآيات باب الإيثار والمساواة ذكر المغلف هذا
الباب عقب باب النهي عن البخل والشح لأنهما متضادان فالإيثار أن يقدم الإنسان غيره على نفسه والمواساة أن يواسي غيره بنفسه والإيثار أفضل ولكن يعلم أن الإيثار ينقسم إلى ثلاثة أقسام
القسم الأول ممنوع والثاني مقروه أو مباح والثالث مباح أما الممنوع فأن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعا فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعا مثال إذا كان معك ماء يكفي لوضوء رجل
واحد وأنت لست على وضوء وفيه صاحب لك ليس على وضوء فالماء لك لكن إما أن يتوضأ به صاحبك وتتيمم أنت أو تتوضأ أنت ويتيمم صاحبك ففي هذا الحال لا يجوز أن تعطيه الماء وتتيمم أنت لأنك واجد
للماء والماء في ملكك ولا يجوز العجول عن الماء إلى التيمم إلا لعادمه فالإثار في الواجبات الشرعية حرام ولا يحل لأنه يستلزم إسقاط الواجب عليه وأما المكروه أو المباح فالإثار بالأمور
المستحبة كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم لكن تربه أولى لا شك إلا لمصنعه مثاله أن توثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه مثل أن تكون أنت الآن في الصف الأول في الصلاة فيدفو الإنسان
فتقوم عن مكانك وتؤثره به فقد كره أهل العلم هذا وقالوا إن هذا دليل على أن الإنسان يرغب عن الخير والرغبة عن الخير مكروها كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أن تأحق به منه وقال بعض العلماء
تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل فهذا لا بأس به القسم الثالث المباح وهذا المباح قد يكون مستحبا وذلك أن توثر غيرك
في أمر غير تعبدي توثر غيرك تقدم على نفسك في أمر غير تعبدي مثل أن يكون معك طعام وأنت جائع وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإثار لقول الله تبارك وتعالى
في وصف الأنصار والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بحاجة مما أوتوا أن المهاجرين لما قدموا
المدينة لتلقاهم الأنصار بالإكرام والإحترام والإثار بالمال حتى إن بعضهم يقول لأقيه المهاجري يقول إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت من شدة إثارهم رجل الله عنهم لإخوانهم
المهاجرين وقال تعالى ويطعمون الطعام على كبه مسكينا ويتيما وأسيرا يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكينا ويتيما وأسيرا ويفركون أنفسهم هذا أيضا من باب الإثار عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني مجهود فأرسل إلى بعض نسائه فقالت والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ما ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك لا والذي بعثك
بالحق ما عندي إلا ما فقال النبي صلى الله عليه وسلم من يضيف هذا الليلة فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي رواية قال لامرأته هل عندك شيء قالت لا إلا قوت صبياني قال فعل ليهن بشيء وإذا أرادوا العشاء فنوميهم وإذا دخل ضيفنا فأطفي السراج وأريه أننا نأكل فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين
فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لقد عجب الله من صنيعكم وبضيفكم الليلة متفق عليه دفع موالف رحمه الله تعالى في باب الإثار الإثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب
الذي يظين حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حيث جاءه رجل فقال يا رسول الله إني مجهود يعني مجهد من الفقر والجوع وهو ضيف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل النبي
صلى الله عليه وآله وسلم إلى زوجاته واحدة تلو الأخرى يسألها هل عندها شيء فكل واحدة تقول لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء تسعة بيات الرسول عليه الصلاة والسلام ليس فيها إلا الماء
مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لو شاء أن نسير الله الجبال معه ذهبا لسارت لكنه عليه الصلاة والسلام أذهب الناس في الدنيا كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء فقال النبي عليه الصلاة
والسلام من يضيف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من الأنصار أنا يا رسول الله أنا أضيف فذهب بالرجل إلى رحله وقال لمرأته هل عندك شيء قالت لا إلا طعام صبيتي يعني ليس عندها في
البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط فقال أكهمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم وأطفأت المصباح وأرث الضيف أنهم يأكلون
معه ففعلت نومة الصبيان حدأتهم ونومتهم فناموا على غير عشاء ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرث الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه وهما لا يأكلها فشبع الطيب وباتا طاويين يعني غير
متأشيين إكراما لضيف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليل عجب
عجب استحسان عز وجل من صنيعهما تلك الليلة لما يجتمل عليه من الفوائد العظيمة ففي هذا الحديث أولا بيان حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما هو عليه من شضف العيش وكلة ذات اليد مع
أنه عليه الصلاة والسلام أكرم الخلق على الله ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئا لكان أبر الناس بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها لا تساوي قال ابن القيم رحمه الله لو ساوت
الدنيا جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفران لكنها والله أحقر عنده من ذا الجناح قاصر الطيران أحقر من جناح البعوض عند الله ويسر بشيء ومنها حسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه
وسلم فإن هذا أنصاري رضي الله عنه قال لزوجته أكرمي ضيف رسول الله ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه بالحقيقة هو هذا الرجل لكنه أضافه بالقيقة قائما بوظيفة الرسول عليه الصلاة
والسلام فجعله ضيفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها أنه يجوز عرض الضيافة على النعس ولا يعد هذا من المسألة المدمومة أولا لأنه لم يقل أكرمي ضيف هذا الرجل حتى نقول إنه أحرجع وإنما
هو على سبيل العموم فيجوز مثل الإنسان إذا نزل به ضيف وكان مشغولا أو ليس عنده من يضيقه به أن يقول لمن حوله من يضيف هذا الرجل ولا حرج في ذلك ومنها من الفوائد الإثار العظيم لهذا الرجل
الأنصاري حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكراما بهذا الضيف الذي نزل ضيفا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنها من فوائد هذا الحديث أنه ينبغي للإنسان أن لا يري الضيف أنه
مان عليه أو أن الضيف مضيق عليه ومحرف له لأن الرجل أمر بإثفاء المسباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء وهذا معقود من أدب الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام فين نزلت به
الملائكة ضيوفا فراغ إلى أهله فجاء بعجل سميع حنيذ مشوي لكنه راغ إلى أهله أي ذهب بسرعة وقفية لألا يخجل الضيف ومن فوائد هذا الحديث أيضا أنه يجوز للإنسان أن يوثر الضيف ونحوه على عائلته
وهذا في الأحوال النادرة العارضة وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابدأ بنفسك ثم بمن تعود ولكن إذا عارضت هذه الأحوال فلا حرج عن الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه
إكرامه ومن تأمل سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وهديه وهدي أصحابه وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة وافتقد الله وإياكم لما
فيه الخير في الدنيا والآخرة