182- شرح رياض الصالحين / باب الزهد في الدنيا / مجيئ أبي عبيدة من البحرين/ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

عن عمر بن عوفي النصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها فقدم بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم عبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرق فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين قالوا أجل فقال أبشروا وأمنوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبصد الدنيا عليكم كما بصدت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم متفق عليه وعن نبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبل وجلسنا حوله فقال إن مما أخاف عليكم من بعد ما يفته عليكم من زهرة الدنيا وزينتها متفق عليه وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الدنيا حلوة حضرة وإن الله تعالى مستخفكم فيها فينظروا كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء رواه مسلم هذه الأحاديث ذكرها المعلم رحمه الله في باب الزهد باب الزهد في الدنيا والترغيب فيه وقد ذكر قبل ذلك آيات متعددة كلها تدل على أن هذه الدنيا ليست بشيء بالنسبة للآخرة وأنها ممر ومزرعة فإن قال قائل يقال وراء ويقال زهد فأيهما أعلى وما الفرق بينهما فالجواب أن الزهد أعلى من الوراء والفرق بينهما أن الوراء ترك ما يضر والزهد ترك ما لا ينفع فالأشياء ثلاثة أحسان منها ما يضر في الآخرة ومنها ما ينفع ومنها ما لا يضر ولا ينفع فالوراء أن يدعى الإنسان ما يضره في الآخرة يعني أن يترك الحرام والزهد أن يدعى ما لا ينفعه في الآخرة فالذي لا ينفعه لا يأخذ به والذي ينفعه يأخذ به والذي يضره لا يأخذ به من باب أول فكان الزهد أعلى من الوراء أعلى حال من الوراء فكل زاهد ورع وليس كل ورع زاهدا ولكن حذر النبي عليه الصلاة والسلام من أن تفتح الدنيا علينا فنهلك لما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين وسنع الأنصار بذلك جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافوه في صلاة الفجر فلما انصرف من الصلاة تعرضونا فتبسم عليه الصلاة والسلام تبسم يعني ضحلك لكن بدون صوت تبسم لأنهم جاءوا متشوفين للماء فقال لهم لعلكم سمعتم بقدوم أبو عبيدة من البحرين قالوا أجل يا رسول الله سمعنا بذلك يعني وجئنا لنا نصيبا لنا فقال عليه الصلاة والسلام ما الفقر أخشى عليك الفقر ما أخشى الفقر قد يكون خيرا للإنسان كما جاء في الحريض القدس الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال إن من عبادي من لو أغنيته لأفسده الغنى يعني أفغى وأضل وصده عن الآخرة والإعادة بالله ففسد وإن من عبادي من لو أفقرته لأفسده الفقر فقال النبي عليه الصلاة والسلام ما الفقر أخشى عليكم يعني لا أخشى عليكم من الفقر لأن الفقير في الغالب أقرب إلى الحق من الغني وانظروا إلى الرسل عليه الصلاة والسلام من الذي يكذبهم يكذبهم الملك الأشراء الأغنية وأكثر من يتبعهم الفقراء حتى النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من يتبعهم الفقراء فالفقر لا أخشى الذي يخشى أن تبسط الدنيا عليه كما قال النبي عليه الصلاة والسلام أخشى أن تبسط عليكم يعني كما بسطت على من كان قبلنا فتهلككم كما أهلكتكم وهذا هو الوقت وانظر إلى حالنا نحن هنا يعني في المملكة لما كان الناس إلى الفقر أقرب كانوا لله أتقى وأخشى وأخشى ولما كثر المال كثر الإعراض عن سبيل الله وحصل الطغيان وصار الإنسان الآن يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها سيارة بيت فرش لباس يباهي الناس بهذا ويعرض عما ينفعه في الآخر وصارت الجرائف والصرفة وما أشبهها لا تتكلم إلا بالرفاهية وما يتعلق بالدنيا وأعرض عن الآخر وفسد الناس إلا من شاء الله فالحاصل أن الدنيا إذا كتحت نسأل الله أن يقين وإياكم شر أنها شر تطغي الإنسان كلا إن الإنسان لا يطرع الله استغل قال فرعون لقومه يا قومي أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي اكتخر بالدنيا فالدنيا خطيرة جدا وفي هذه الحديث أيضا قال النبي عليه الصلاة والسلام إن الدنيا حلوة خضرة حلوة المذاق خضرة المنظر تجرب تفتن الشيء إذا كان حلوا ومنظره طيبا يفتن الإنسان فالدنيا هكذا حلوة خضرة حلوة في المذاق خضرة في المنظر ولكن وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون يعني جعل يعلق الخلائف فيها يخلق بعضكم بعضا ويرث بعضكم بعضا فينظر كيف تعملون هل تقدم الدنيا أو الآخر ولهذا قال فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ولكن إذا أغنى الله للإنسان وصار غناه عونا له على طاعة الله ينفق ماله في الحق وفي سبيل الله صارت الدنيا خيرا ولهذا كان رجل الدنيا الذي ينفق ماله في سبيل الله وفي مرات الله عز وجل صارت ثانية اثنين بالنسبة للعالم الذي آتاه الله الحكمة والعلم وصار يعلم الناس فهناك فرق بين الذي ينهمك في الدنيا ويعر عن الآخرة وبين الذي يغنيه الله ويكون غناه سببا لسعادته والإنفاق في سبيل الله ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذبنا عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اللهم لا عيش إلا عيش آخرة متفق عليه وأنه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع الميت ثلاثة أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد يرجع أهله وماله ويبقى عمله متفق عليه وأنه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابعنا من أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبع في النار صبغة ثم يقال يا ابن آدم هل رأيت خيرا قد هل مر بك نعيم قد فيقول لا والله يا رب ويغتابع شد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبع صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قد هل مر بك شدة قد فيقول لا والله ما مر بي بؤس قد ولا رأيت شدة قد رواه مسلم وعن المستورج ابن شداد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما يرجع رواه مسلم وعن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس تنفتي فمر بجد أسك ميت فتناوله فأخذ بغذنه ثم قال أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء وما نصمع به ثم قال أتحبون أنه لكم قالوا والله لو كان حيا كان عباء إنه أسك فكيف وهو ميت فقال فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم رواه مسلم بسم الله الرحمن الرحيم ذكر المؤلف رحمه الله الحديث في بيان الزهد في الدنيا وأن النعيم هو نعيم الآخرة أن ناسب المالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة يعني العيشة الهنيئة الراضية الباقية هو عيش الآخرة أما الدنيا فإنه مهما يطاب عيشها فما آلها للفناء وإذا لم نصحبها عمل مصالف فإنها خسارة ولهذا ذكر في ظن الحديث هذا أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا في الدنيا يعني أشدهم نعيما في بدنه وثياده وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك فيصبى في النار صبغة يعني يغمس فيها غمسة واحدة ويقال هل رأيت خيرا قط فيقول لا والله يا ربي ما رأيت لأنه ينسى كل هذا النعيم هذا وهو شيء نسيء فكيف بمن يكون مخللا فيها والعياذ بالله أبد العابدين وذكر أيضا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر في السوق بجد أسك الجد من صغار المعز والمعز الصغير أسك مقطوع الأذني فأخذه عليه الصلاة والسلام ورفعه وقال هل أحد منكم يريده بدرهم قالوا يا رسول الله ما نريده بشيء قال هل أحد منكم أود أن يقول له قالوا لا قال إن الدنيا أهون عند الله تعالى من هذا الجد ميت لا يسأوي شيئا فالدنيا ليست بشيء عند الله ولكن من عمل فيها عملا صالحا صارت مزرعة له في الآخرة ونال فيها السعادتين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة أما من غفل وتغافل ومغت الأيام عليه وهو لم يعمل فإنه يخسر الدنيا والآخرة قال الله تعالى قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم من يوم القيامة وقال تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسط إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصدر وإن لكل بني آدم خاسر إلا هؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاق الأربع آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصدر جعلنا الله وإياكم منه