114- شرح رياض الصالحين /باب الأمر بأداء الأمانة/ إن الله يأمركم - إنا عرضنا الأمانة / بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

باب الأمر بأداء الأمانة قال الله تعالى إن الله يأمركم أن توجدوا الأمانات إلى أهلها وقال تعالى إنا ربنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فابينا أن يحملناها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا وعن أبي هريرة رضي الله عنه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أت من خال متفق عليه وفي رواية وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم باب الأمر بأداء الأمانة الأمانة تطلق على معاني متعددة منها ما اتمنه الله على عباده من العبادات التي كلفهم بها فإنها أمانة اتمنى الله بها اتمنى الله عليها العباد ومنها الأمانة الأمانة المالية وهي الودائة التي تعطى للإنسان ليحفظها لأهلها وكذلك الأموال الأخرى التي تقون بيد الإنسان لمصلحته أو لمصلحته ومصلحة مالكها وذلك أن الأمانة التي بيد الإنسان إما أن تقون لمصلحة مالكها أو لمصلحة من هي بيده أو لمصلحته ما جميعا فأما الأول فالوديعة الوديعة تجعلها أنت شخص تقول مثلا هذه ساعة عندك احفظها لي هذه دراهم احفظها لي وما أشبه هذا هذه وديعة المودع فيها بقيت عنده لمصلحة مالكها وأما وأما التي لمصلحة من هي بيده فالعارية يعطيك شخص شيء أن يعينك إياه إنا فراش قلم ساعة سيارة هذه بقيت في يدك لمصلحة وأما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده فالمستأجرة العين المستأجرة مصلحتها للجميع استأجرت مني سيارة وأخذتها فأنت تنتبع بها لنفسك وأنا أنتبع بالعجرة وكلالك البيت وما أشبه كل هذه من الأمانات ومن الأمانات أيضا أمانة الولاية وهي أعظمها مسئولية الولاية العامة والولايات الخاصة فالسلطان مثلا الرئيس الأعلى في الدولة أمين أمين على الأمة كلها على مصالحها الدينية ومصالحها الدنيوية على أموالها التي تكون في بيت المال لا يغذرها ولا ينفقها في غير مصلحة المسلمين وما أشبه ذلك وهناك أمانات أخرى دونها كأمانة الوزير مثلا في وزارته وأمانة الأمير في منطقته وأمانة القاضي في عمله وأمانة الإنسان في أهله المهم أن الأمانة باب واسع جدا وأصلها أمرا أمانة في حقوق الله وهي أمانة العبد في عبادات الله عز وجل وأمانة في حقوق البشر وهي كثيرة جدا كما أسرنا إلى شيء منها وكلها يؤمر الإنسان بأداء إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهله تأمل هذه الصيغة إن الله يأمركم صيغة قوة سلطان لم يقل أدوا الأمانة ولم يقل إني أأمركم إن الله يأمركم أي بألوهيته العظيمة يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فأقام الضميع فأقام الخطاب مقاما الغائد تعظيما لهذا المقام ولهذا الأمر إن الله يأمركم وهذا كقول السلطان والله المتبع أعلى إن الأمير يأمركم إن الملك يأمركم هذا أبلغ من قوله إني أمر كما قال ذلك علماء البلاغ إن الله يأمركم أن تؤدي الأمانات إلى أهلها والأمر بأدائها إلى أهلها من لازمه الأمر بحفظها بأنه لا يمكن أداؤها إلى أهلها إلا بحفظها وحفظها ألا يتعدى فيها ولا يفرط بل يحفظها حفظا تاما ليس فيه تعد ولا تفريط حتى يؤديها إلى أهلها وأداء الأمانة من علامات الإيمان فكلما وجدت الإنسان أميناً كما يؤتمر عليه مؤدياً له على وجه الأكمل فأعلم أنه قوي الإيمان وكلما وجدته خائناً فأعلم أنه ضعيف الإيمان ومن الأمانات من الأمانات ما يكون بين الرجل وصاحبه من الأمور الخاصة التي لا يحب أن يطلع عليها أحد فإنه لا يجوز لصاحبه أن يخبر بها لو استأمنتك على حديث حددتك به وغدت هذا أمان فإنه لا يحب لك أن تخبر به أحداً من الناس ولو كان أقرب الناس إليه وسواء أوصيتك بأن لا تخبر به أحداً أو علماً يقرأي الأحوال أني لا أحب أن يطلع عليه أحد ولهذا قال العلم إذا حدثك الرجل بحديث والتفت فهذه أمان لماذا؟ لأن كونه يتفث يخشى أن يسمع أحد إذن فهو لا يحب أن يطلع عليه أحد فإذا اعتمنت الإنسان على حديث فإنه لا يجوز لك أن تخشيه ومن ذلك أيضاً ما يكون بين الرجل وبين زوجته من الأشياء الخاصة فإن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم يتحدث بما جرى بينهما فلا يجوز الإنسان أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته مثلاً وكثير من الشباب السفهاء تجدهم يتطعمون في المجالس ويتفكهون أن يقول الواحد منهم فعلت بمرأتي كذا وفعلت بمرأتي كذا من الأمور التي لا تحبه أن يطلع عليها أحد وكذلك كل إنسان عاقل له دوق سليم لا يحب أن يطلع أحد عليه بما يجري مع زوجته إذن علينا أن نحافظ على الأمنات أول شيء أن نحافظ على الأمنات التي بيننا وبين ربنا لأن حق ربنا أعظم الحقوق علينا ثم بعد ذلك ما يكون من حقوق الخلق الأولى فالأولى واللهم وفق سبق الكلام على أن الأمنات شاملة لحقوق الله وحقوق العباد وأنها أنواع كثيرة وذكرنا ما تيسر منها في الدرس الماضي وبدأنا في تفسير قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدي الأمنات إلى أهلها وذكرنا أن هذه الأمنات تنقسم إلى ثلاثة أقسام الأول ما كان بيد الإنسان لمصلحته والثاني ما كان بيد الإنسان لمصلحة مالكه والثالث ما كان بيد الإنسان لمصلحته ومصلحة مالكه فقوله عز وجل إن الله يأمركم أن تؤدي الأمنات إلى أهلها يستنزل حفظ الأمنات ومراعاتها وأن يحفظها الإنسان فيما يجب أن يحفظها فيه وتختلف في اختلاف الأموال فمن الأموال ما كان يحفظ في الصناديق ذات الأغلاق الوفيقة ومنها ما يحفظ بالأحواش ومنها ما يحفظ في الحجرات وتختلف لكن يجب على كل إنسان عنده أمانة أن يحفظها بما جرت العادة بحفظها فيه ثم قال عز وجل إن الله نعم ما يعظكم به فأثنى الله عز وجل على ما يعظنا به من الأوامر والنواه من الأوامر التي يريد منا فعلها والنواه التي يريد منا تركها أثنى الله عليها في قوله إن الله نعم ما يعظكم به ثم ختم الآية بقوله إن الله كان سميعا بصيرا سميعا لما تقولون بصيرا بما تفعلون وختم الآية بهذه الاسمين الكريمين المترمنين لشامل سمع الله وبصره يقتر التهديد فهو يهدد عز وجل من لم يقم بأداء الأمانة إلى أهلها قال المؤلف رحمه الله وقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبينا أن يحملناها وأشفقنا منها وحملها الإنسان عرض الله الأمانة وهي التكليم والعزام بما يجب عرضها على السماوات والأرض والجبال ولكنها أبت أن تحملها بما فيها من المشقة ولما تخشى هذه الثلاثة الأرض والجبال والسماوات من إضاعته فإذا قال قائل كيف يعرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال وهي جمال ليس لها عقل ولا تشعر فالجواب أن كل جماد فهو بالنسبة لله عز وجل العاقل يفهم ويمتزل فرأيت إلى قوله تعالى فيما أفبر به النبي صلى الله وسلم أن الله لما خلق القلم قال له اكتب فخاطر القلم وهو جمال قال اكتب فقال ماذا اكتب لأن الأمر مجمل ولن يمكن انثال الأمر المجمل إلا ببيانه قال اكتب ما هو كائن إلى يوم الثيام فكتب القلم بأمر الله ما هو كائن إلى يوم الثيام هذا أمر وتكريف وإلزام فهنا بيّن الله عز وجل أنه عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبث عن تحمله وقال الله تعالى فقرى هم نسبة سماوات في يومين وحافظ لسماء نمرها نعم قال الله تعالى ثم استوى إلى السماع وهي دخان فقال لها وللأرض ائتي طوعا أو كرها قال فأتينا طائعين فخاطبهما بالأمر وقال ائتي طوعا أو كرها فقال فأتينا طائعين ففهمت السماوات والأرض فهمت كتاب الله وامتثلت وقال فأتينا طائعين وعصت بني آدم يقولون سمعنا وعصينا فالأمانا حملها الإنسان وكيف حملها حملها بأمرين العقل والرسل العقل الذي أعطاه الله عز وجل وفضله على كثير من من خلق تطبيلا والرسل الذين أرسلهم الله عز وجل للإنسان وبينوا له الحق من الضلال فلم يبق له عذر ولكن مع ذلك وصف الله الإنسان بأنه ظلوم جهول فاختلف العلماء هل الإنسان عام أو خاص بالكافر فقال بعض العلماء إنه خاص بالكافر هو الظلوم الجهول أما المؤمن فهو ذو عدل وعلم وحكمة ورشد وقال بعض العلماء بل هو عام والمراد الإنسان بحسب طبيعته أما المؤمن فإن الله من عليه بالهجاية فيكون مستثلا من هذا وأي أمكان فمن قام بالأمانة انتفى عنه وصف الظل والجهالة وحملها الإنسان إنه كان ظلوم جهول فنسأل الله أن يعين وإياكم على أداء ما حملناه وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضاه إنه جواب كريم