77- شرح رياض الصالحين / باب الحث على الازدياد من الخير / شرح الآيات/ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

باب الحد على الزياد من الخير في أواخر عمر قال الله تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير قال ابن عباس والمحققون مناه أولم نعمركم ستين سنة ويؤيده الحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالى وقيل مناه ثمانية عشرة سنة وقيل أربعين سنة قال الحسن والكلبي ومسروق ونقل عن ابن عباس أيضا ونقلوا أن أهل المدينة كانوا إذا بلغ أحدهم أربعين سنة تفرغن عباده وقيل هو البلوغ وقوله تعالى وجاءكم النذير قال ابن عباس والجمهور هو النبي صلى الله عليه وسلم وقيل الشيء قاله عكرم قاله عكرمة وابن عيينة وغيرهما والله أعلم الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الحس على كثرة الأعمال أعمل الخير في أواخر العمر يعلم أن المدار على آخر العمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يبقى بعده بينهم وبينها إلا دراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم لا يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينهم وبينها إلا دراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ولهذا كان من الدعاء المثور اللهم اجعل خير عملي خير عملي خواتمه وصحى عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة فالذي ينبغي للإنسان كلما طال به العمر أن يكثر من الأمال الصالحة كما أنه ينبغي للشاب أيضا أن يكثر من الأمال الصالحة لأن الإنسان لا يدري متى يموت قد يموت في شبابه وقد يؤخر موته لكن لا شك أن من تقدم به الصن فهو أقرب إلى الموت من الشاب لأنه أنهى العمر ثم ساق المؤلف قول الله تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ما نكرة موصوفة أي أولم نعمركم عمرا يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير وهذا العمر اختلف المفسرون فيه فقيل هو ستون سنة وقيل ثمانية عشر سنة وقيل أربعون سنة وقيل البلوغ والآية عامة عمروا عمرا لهم فيه فرصة يتذكر فيه من يتذكر وهذا يختلف باختلاف الأحوال فقد يكون الإنسان يتذكر في أقل من ثمانية عشر سنة وقد لا يتذكر إلا بعد ذلك حسب ما يأتيه من النذر والآيات وما يكون حوله من البيعة الصالحة أو غير الصالحة المهم أنه يقال لهم توبيخا أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وفي هذا دليل على أنه كل ما طال بالإنسان العمر كان أولى بالتذكر وأما قوله تعالى وجاءكم النذير فالصحيح أن المراد بالنذير النبي وهو اسم جنس يشمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشمل رسول الذين من قبله من قبله كلهم يذر عليهم الصلاة والسلام فالواجب على الإنسان أن يحرص في آخر عمره على الإكثار من طاعة الله ولا سيما ما أجب الله عليه وأن يكثر من الاستغفار والحمد كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إذا جاء نصب الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا هذه الصورة يقال إنها آخر صورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وفيها قصة عجيبة كان الأنصار رضي الله عنهم يقولون لأمير المؤمن عمر بن الخطاء لماذا تجني عبد الله بن عباس وهو من الشباب ولا تجني شبابنا وكان عمر رضي الله عنه ينزل من الناس منازله في العلم والدين كل من كان أعلم وأديا فهو إلى أمير المؤمن عمر أقرب وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون تقديمه حسب ما عند الإنسان من العلم والدين القرابة لهم حق لا شك لكن العلم والدين أعظم ما يقرب به الإنسان أعظم ما يكون قربة إلى الإنسان من غيره المهم أن الأنصار قالوا لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لماذا تجني عبد الله بن عباس ولا تجني شبابنا فقال لهم أمهلوني ثم جمعهم ذات يوم وقال لهم ماذا تقولون في قول الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يركونون في دين الله أقواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواب قالوا نقول إن الله قال للرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء النصر وفتحت مكة فسبح بحمد الله واستغفره لأنه كان تواب يعني فسروها بظاهره فقال ما تقول يا ابن عباس قالوا أقول إن هذه السورة نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أنها تدل على أن أجله قد اقترب ففهم هذا الفهم العجيب رضي الله عنه يعني إذا جاء النصر والفتح فقد أديت ما عليك اختم عمرك بالاستغفار والتسبيه بحمد الله عز وجل قالت عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انزلت عليه هذه السورة كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي أكثر منها في الركوع والسجود كما كان النبي صلى الله عليه وسلم نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة والعاقبة وأن يجعل خير أعمالنا آخرها وخير أعمالنا خواتبها عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال آذر الله إلى أمر أخراج له حتى بلغا ستين سنة رواه البخاري قال العلماء ما ناه لم يترك له عذرا إذا أمهله هذه المدة يقال أعذر الرجل إذا بلغ الغاية في العذر يقال المغرب رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعذر الله تعالى إلى رجل أمد عمره أو أخر أجله إلى ستين سنة المعنى أن الله عز وجل إذا عمر الإنسان حتى بلغ ستين سنة فقد أقام عليه العذر فقد أقام عليه الكجة ونفعه العذر لأن ستين سنة يبق الله الإنسان إليها يعرف من آيات الله ما يعرف ولا سيما إذا كان ناشئا في بلد الإسلام لا شك أن هذا يؤدي إلى قطع حجته إذا لاقى الله عز وجل لأنه لا عذر له لو أنه مثلا قصر في عمره إلى خمس عشرة سنة أو إلى عشرين سنة لكان قد يكون له عذر في أنه لم يتمهل ولم يتدبر الآيات ولكنه إذا أقاه إلى ستين سنة فإنه لا عذر له قد قامت عليه الحجة مع أن الحجة تقوم على الإنسان من حين أن يبلغ فإنه يدفر في التكليف ولا يعذر بالجهل فإن الواجب على المرء أن يتعلم من شريعة الله ما يحتاج إليه مثلا إذا أراد أن يتوضى لابد أن يعرف كيف يتوضى إذا أراد أن يصلي لابد أن يعرف كيف يصلي إذا صار عنده مال لابد أن يعرف ما مقدار النصاب وما مقدار الواجب وما أشبه ذلك إذا أراد أن يصوم لابد أن يعرف كيف يصوم وما هي المفطرات وإذا أراد أن يأخذ أو يعتمر يجب أن يعرف كيف يأخذ وكيف يعتمر وما هي محظورات الإحرام إذا كان من الباع الذين يبيعون ويشترون بالذهب مثلا لابد أن يعرف الربا وأقسام الربا وما الواجب في بيع الذهب بالذهب أو بيع الذهب بالفضة وهكذا إذا كان من يبيع بالطعام لابد أن يعرف كيف يبيع الطعام ولابد أن يعرف ما هو الغش الذي يمكن أن يكون وهكذا المهم أن الإنسان إذا بلغ ستين سنة فقد قامت عليه الحجة التامة وليس له عدو وكل إنسان بحسبه كل إنسان يجب عليه أن يتعلم من الشريعة ما يحتاجه إليه في الصلاة والزكاة والصيام والحج والبيوع والأوقاف وغيرها حسب ما يحتاجه إليه وفي هذا دليل في الحديث هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى له الحجة وعلى عباده وذلك أن الله أعطاهم عقولا وأعطاهم أفهاما وأرسل إليهم رسلا وجعل من الرسالات ما هو خالد إلى يوم القيامة وهي رسالة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الرسالات السابقة محدودة محدودة فإن كل نبي يبعث إلى قومه فقط خاص محدودة في الزمن كل رسول يأتي ينسح ما قبله إذا كانت الأمة التي أرسل إليها الرسولان واحدة في هذه الأمة أرسل الله إليها محمدا صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم الأنبياء وجعل آيته العظيمة الباقية هذا القرآن العظيم فإن آيات الأنبياء تموت بموتهم ولا تبقى بعد موتهم إلا ذكرى أما محمد صلى الله عليه وسلم فإن آيته هذا القرآن العظيم إلى يوم القيامة كما قال تعالى وقالوا للا أنزع عليه آيات من ربه قل إنما الآية عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفي أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليه فالكتاب كاف عن كل آية لمن تدبر وتعقله وعرف معانيه وانتفع بأخباره واتعظ بقصصه فإنه يغني عن كل شيء من الآيات لكن الذي يجعلنا لا نحس بهذه الآية العظيمة أننا لا نقرأ القرآن على وجه نتدبره ونتعذ بما فيه كثير من المسلمين إن لم يكن أكثر المسلمين يتلون الكتاب للتبرك والأجر فقط ولكن الذي يجب أن يكون هو أن نقرأ القرآن لنتدبره ونتعذ فيه كتاب أنزلناه إليك مبارك هذا الأجر ليتدبر آياته هذا الثمر وليتذكر أولو العرباء والله محفظ