76- شرح رياض الصالحين / باب المجاهدة / حديث (يا عبادي إني حرمت الظلم ) / بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
عن أبي ذل الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرضيه عن ربه عز وجل أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلمان على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضالوا
إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائر إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم آر إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطيون بالليل والنهار وأنا أغفر الظنوب
جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي لونوا بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله أن أبي درن الغفار رضي الله عنه في باب المجاهدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى يعني أن رسول عليه الصلاة والسلام حدث عن الله أنه قال إلى آخره وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي أو الحديث الإلهي وأما ما كان من حديث النبي
صلى الله عليه وسلم فإنه يسمى الحديث النبوي حال الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يقول جل وعلا إني حرمت الظلم على
نفسي أي أن لا أظلم أحدا لا بزيادة سيئات لم يعملها ولا بنقص حسنات عملها بل هو سبحانه وتعالى حكم عدل محسن فحكمه وثوابه لعباده دائر بين أمرين بين فضل وعدل فضل لمن عمل الحسنات وعدل لمن
عمل السيئات وليس هناك شيء ثالث هو الظلم أما الحسنات فإنهم سبحانه وتعالى يجازي الحسنة بعشر أمثال إعمى الحسنة تأتك عشر حسنات أما السيئة فبسيئة واحدة فقط قال الله تعالى في سورة
الأنعام وهي مكية من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يلسى إلا مثلها وهم لا يظلمون لا يظلمون بنقص ثواب الحسنات ولا يظلمون بزيادة تزاء السيئات بل ربنا عز وجل يقول فمن
يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ظلما بزيادة في سيئاته ولا هضما بنقص من حسناته وفي قوله تعالى إني حرمت الظلم على نفسه جليل على أنه جل وعلا يحرم على نفسه ويوجب على
نفسه فمما أوجب على نفسه الرحمة قال الله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة ومما حرم على نفسه الظلم وذلك لأنه فعال لما يريد يحكم بما يشاء فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليهم يوجب على
نفسه ويحرم عليها جل وعلا لأن له الحكم التام المطلق وقوله تعالى وجعلتوا بينكم محرما فلا تظالموا أي لا يظلم بعضكم بعضا والجعل هنا جعلتوا بينكم محرما هو الجعل الشرعي وذلك لأن الجعل
الذي أضافه الله إلى نفسه إما أن يكون كونيا مثل قوله تعالى وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشر وإما أن يكون شرعيا مثل قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وسيلة ولا حال
ما جرى ما جعل أي ما شرع وإلا فقد جعل ذلك كونا لأن العرب كانوا يفعلون هذا ومثل هذا الحديث جعلته بينكم محرما أي جعلته جعلا شرعيا لا كونيا لأن الظلم يقع وقول جعلته بينكم محرما الظلم
بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وهو يخطب الناس في الحج في حجة الوداء إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا
في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت قالوا نعم قال الله مشلوك فهي ثلاثة أشياء الدماء والأموال والأعراق فالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء لا يجوز لأحد أن يعتدي على دم أحد لا على
دم تقوت به النفس وهو القتل ولا على دم يحصل به النفس كدم الجروح وكسر العظام وما أشبهها كل هذا حرام لا يجوز واعلم أن كسر الميت كسر عظمه ككسره حيا كما جاء ذلك عن النبي عليه الصلاة
والسلام فالميت محترم لا يجوز أن يأخذ من أعضائه شيء ولا أن يكسر من أعضائه شيء لأنه أمانة سوف يبعث بكامل يوم القيامة وإذا كان كذلك فلا يجوز أن نأخذ منه شيئا ولهذا نص فقهاء الحنابل
رحمه الله على أنه لا يجوز أن يأخذ من الميت شيء من أعضائه ولو أوصى به وذلك لأن الميت محترم كما أن الحي محترم كسر عظم الميت ككسره حيا فإذا أخذنا من الميت عضوا أو كسرنا منه عظما كان
ذلك جناية عليه وكان اعتداء عليه وكنا آثمين بذلك والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه لأن أعضائه أمانة عنده أمانة لا يحل أن يفرط فيها ولهذا قال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم
وفسرها عمر بن عاص رضي الله عنه بأن الإنسان إذا كان عليه جنابه وكان في البر وخاف إن اغتسل أن يتضرر جعل عمر بن عاص هذا داخلا في العائل فإن عمر بن عاص رضي الله عنه كان في سرية فأجنب
وكانت الليلة باردة فتيمم وصل بأصحابه فلما رجعوا إلى رسول عليه الصلاة والسلام وبلغوا الخبر قال لعمر أصليت بأصحابك وأنت جنوب يعني لم تعتصد قال يا رسول الله إني ذكرت قول الله تعالى
ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيم وخفت البرد فتيممت فرحك النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على فعله وعلى استراله بالآية لم يقل إن الآية لم تدل على هذا فإذا كل شيء يضر أبداننا أو
يفوت منها شيئا فإنه لا يحل لنا أن نفعله لا تقتلوا أنفسكم لماذا حرم علينا أن نتناول التقان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن فالبدن محترم هذا قول الرسول عليه الصلاة
والسلام إن دماء يشمل إذن الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل والدم الذي دون ذلك من جرح أو كسف عظم أو ما أشبه ذلك ويأتي إن شاء الله بقية الحديث الرحيم قال المعلك رحمه الله تعالى
فيما نقله عن أبي ذرن الغفارئ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رويه عن ربه أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا تقدم الكلام على أول
هذا الحديث على هذه الجملة وبينا أن الظلم يكون في ثلاثة أمور بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبه في حجة الوداع وهي الأنفس الدماء والأعراض والأموال فقال إن دماء وأموالكم وأعراضكم
عليكم حرام سبق الكلام على شيء مما يتعلق بالدماء أما قوله وأموالكم فإن الأموال قد حرم الله سبحانه وتعالى على بعضنا أن يأخذ مال أخيه بغير حق بأي نوع من الأنواع سواء أخذه غصبا بأن
يأخذه بالقوة أو أخذه سرقة أو اختطافا أو خيانة أو غشا أو كذبا بأي نوع من الأنواع يأخذه فإنه حرام عليهم وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش ولا سيما أهل القضاء كل جرهم يعني كل
ريال بل كل قرش واحد يدخل عليهم زائدا عن الثمن من أجل الغش فإنه حرام فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محذورين المحذور الأول العجوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير
حق والثاني أنهم ينالون تبرع النبي صلى الله عليه وسلم منه وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها أو يلتحق بها صاحبها بالبراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه
وسلم فيما صح عنه من غش فليس منه ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران تجده دخل مرسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من اقتطع من الأرض شبرا بغير حق فإنه
يطوقه يوم القيامة من سبع أراضين يكون يوم القيامة من سبع أراضين طوقا في في عنقه والعياذ بالله يحمله في يوم محش هذا من الظلم من الظلم أيضا أن يكون لشخص على شخص دراه ثم ينكر الذي عليه
الحق ويقول ليس عندي لك شيء فهذا من أقل المال بالباطل حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه وغلبه عند القاضي فإنه لا يغلبه عند الله قال النبي عليه الصلاة والسلام إنكم تختصمون إلي
ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له وإنما أقضي بنحو ما أسمع فمن طضيت له بحق بشيء من حق أخيه فإنما أقتطع له جمرة من النار فليستقل أو ليستقل لا تظن أنك إذا غلبت خصمك عند
القاضي أنك إذا كنت مبتلا تسلم من هذا في الآخرة أبدا لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما أسمع ولا يلم الغيب ولكن علام الغيوب جل وعلا هو الذي يحاسبك يوم القيامة وكذلك أيضا من أنواع الأكل
أكل الأموال أن يدعي شخص على آخر ما ليس له يدعي ما ليس له ويقم على ذلك بياه شهد الزور ويحكم له بذلك فإن هذا من أكل المال بالباطل والأنواع كثيرة لكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا
قال عز وجل فلا تظار أما الأعراض فهي أيضا حرام فلا يحل الإنسان أن يقع في عرض أخيه يغتابه في المجالس يسبه فإن ذلك من كبائر الذنوب قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من
الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا انظر للترتيب اجتنبوا كثيرا من الظن فإذا ظن الإنسان بأخيه شيئا تجسس عليه ولهذا قال ولا تجسس فإذا تجسس صار يغتابه ولهذا قال في
الثالثة مرتبة الثالثة ولا يغتب بعضكم بعضا أه يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا الجواب لا لا يحب بل يكره ولهذا قال فكرهتموا قال بعض المفسرين إذا كان يوم القيامة فإنه يؤتى بالرجو الذي
اغتابه الشخص يمثل له بصورة إنسان ميت ثم يقال كل من لحمه ويكره على ذلك وهو يكرهه لكن يكره على هذا عقوبة الله والعياذ بالله فالغيبة وهي انتهاق أراضي أخيك هذه محرمة وقد روى أبو داود
أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ليلة عدج به بقوم لهم أغفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأغفار التي من النحاس فقال يا جبري من هؤلاء قال هؤلاء
الذين يأكلون لحوم الناس ويطعون في أعراضهم نعوذ بالله ثم إن الإنسان إذا انتهك أرض أخيه فإن أخاه يأخذ منه في الآخرة من حسناته ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له إن كلانا يغتابك فقال مؤكد
قال نعم اغتابك فصنع هدية له ثم بعث بها إليه فاسترهب الرجل كيف أن يغتابه يسل هدية قال نعم إنك أهديت إلي حسنات والحسنة تبقى وأنا أهديت إليك هدية في الدنيا تذهب فهذه المكافأة على
هديتك لي شفقها السلف رضي الله عنه فالحاصل أن غيبة حرام ومن كبائر الذنوب ولا سيما إذا كانت غيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس لأن غيبة
العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدوره والذي يعلمونه الناس فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم وهذا ضر على الدين وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم فيتمردون عليهم وإذا تمرد
الناس على الأمراء فلا تسقل عن الفوضى لا يصلح الناس فوضى لا سرات لهم ولا سرات إذا جرحاله السابق نسأل الله أن يحمينا وأياكم ما يضبه إنه جواب الكريم حي رب العالمين وأصلي وأسلم على
نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين تقدم الكلام على أول هذا الحديث القدسي الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال تعالى يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلتم بينكم محرما
فلا تظالم وبينا أن الظلم يكون في المال والعرض والدم وبينا أمثلة من ذلك كثيرة نسأل الله تعالى أن ينفع بها ثم قال الله تعالى يا عبادي كلكم ظال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم كلكم ظال
ظال يعني تائها تائها لا يعرف الحق كلكم ظال يعني غاويا لا يقبل الحق فالناس الظلاء القسمة اسم تائه لا يعرف الحق مثل النصار فإن النصار ضالون تائهون لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي
صلى الله عليه وسلم فإنهم عرفوا الحق لكنهم استقبروا عنه فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه والقسم الثاني من الظلال غاوين أي اختار الغي على الرشد بعد أن
علموا بالرشد وهؤلاء مثل اليهود فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوا بل ردوا ومن ذلك قوله تبارك وتعالى فأما ثمودوا فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى والعياذ بالله هداهم الله وبين
لهم ودلهم لكنهم استحبوا العمى على الهدى فاستحبوا الغي على الرشد فالناس كلهم ظلون إلا من هداه الله لكن ما هي هداية القسم الأول وهو الظل الذي لم يعرف الحق هداية القسم الأول أن يبين
الله له الحق ويدله ويدله عليه وهذه الهداية حق على الله أوجبه الله على نفسه فكل الخلق قد هداهم الله بهذا المعنى يعني بمعنى البيان قال الله تعالى إن علينا للهدى وقال تعالى شهر رمضان
الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس هدى للناس عموما ولكن الهداية الثانية وهي هداية توفيق للحق وقبوله هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده فصارت الهداية الآن هداية هداية بيان الحق
وهذه عامة لكل أحد وقد أوجبها الله على نفسه وبيّن لعباده الحق من الباطل وهداية توفيق لقبول الحق والعمل به تصديقا للخبر وقياما بالطلب وهذه الخاصة يختص الله بها من يشاء من عباده
والناس في هذا الباب ينقسمون إلى أقسام القسم الأول من هدي الهدايتين أي علمه الله ووفقه للحق وقبوله والقسم الثاني من حرم الهدايتين فليس عنده علم وليس له عباده والقسم الثالث من هدي
الهداية بالدلالة والإسحاد ولكنه لم يهد هداية التوفيق وهذا شر الأقسام ولياذ بالله المهم من الله عز وجل يقول كلكم ضاد كلكم لا يعرف الحق كلكم لا يقبل الحق إلا من هديكم فاستهدوني أهدكم
يعني أطلبوا الهداية مني فإذا ضربتمها فإنني أجيب لكم وأهديكم إلى الحق ولهذا جاءت استهدوني أهدكم جاءت جاءت جاء الجواب وكأنه جواب شرط يتحقق الشرط المشروط يتحقق المشروط عند وجود الشرط
ودليل هذا أن الفعل جزم استهدوني أهدكم فمتى طلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه وإلحاح فإن الله يهديك ولكن أكثرنا معرض عن هذا أكثرنا قائم بالعبادة لكن على العادة وعلى ما يفعل
الناس ما كأننا مفتقرون إلى الله سبحانه في طلب الهداية فالذي يليق بنا أن نسأل الله دائما الهداية والإنسان في كل صلاة يقول رب جغفر لي وارحمني وهدني بل في كل صلاة يقول على سبيل
الركنية اهدنا الصراط المستقيم الصراط الذين عنعمت عليه ولكن أين قلوب الواعية أكثر يقرأ الآيهادي وتمر عليه مرة الطيب أي مرة الغيم الذي يجري بدون ما وبدون شيء ما ينتبه لها والذي يليق
بنا أن ننتبه وأن نعلم أننا مفتقرون إلى الله عز وجل في الهداية سواء الهداية العلمية أو الهداية العملية أي هداية العشاد والدلالة أو هداية التوفيق لا بد أن تسأل الله دائما الهداية
فاستهدوني أهدكم وربما يشمل هذه الجملة ربما تشمل الطريق الحسي كما تشمل الطريق المعنوي الطريق المعنوي الهداية لدين الله الطريق الحسي أن تكون في أرض قد ضللت الطريق وضعت من تسأل؟
أسأل الله ولهذا قال الله عن موسى صلى الله عليه وسلم ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل أي السبيل المستوي الموصل المقصود بدون سعاد وقد جرب هذا أن الإنسان إذا ضاع
في البر فليلجأ إلى الله ويقول ربي هديني سواء السبيل أو عسى ربي أن يهديني سواء السبيل لأننا محتاجون إلى الله في الهداية في هداية الطريق الحسي كما أننا محتاجون إلى الله في الهداية
إلى الطريق المعنوي أسأل الله أن يهدينا جميعا في من هدم مولك رحمه الله تعالى فيما نقله من حديث أبي ذر الغفار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تضارك وتعالى
أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تضارك يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ها كان الجملتان
الجوع والعريق ذكرهم الله عز وجل بعد أن ذكر الهداية لأن الهداية فيها غذاء القلب في العلم والإيمان والجوارح بالعمل الصالح وأما الطعام والشراب وأما الطعام والكسوة ففيه غذاء البدن لأن
البدن لا استقيم إلا بالطعام ولا يستكر إلا بالكسوة ولهذا قال يا عبادي كلكم جائر إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم وصدق ربنا عز وجل كلنا جائر إلا من أطعمه الله ولولا أن الله تعالى يسر
لنا ما يكون به طعامنا لها نقل يقول الله تعالى مبينا ذلك في سورة الواقع أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون الجواب بل أنت يا ربنا الذي زرعتهم لأن الله يقول لو نشاء
لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محظمون وتأمل كيف قال لو نشاء لجعلناه حطاما ولم يقل لو نشاء ما أنبتنا لأنه إذا نبت وشاهده الناس تعلقت قلوبهم به فإذا جعل حطاما بعد أن
تعلقت به القلوب صار ذلك عشد نكاية فلهذا قال لو نشاء لجعلناه حطاما ولم يقل لو نشاء ما أنبتنا أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن يعني من السحاب أم نحن المنزلون لأن
الماء الذي نشرب من السحاب ينزله الله عز وجل على الأرض فيسلكه ينابيه يدخله في الأرض ويجري فيما تحت الأرض كالأمهار ثم يستخرج بالأدوات التي يستخرها الله عز وجل للناس في كل وقت بحسبه
وهذا من حكمة الله عز وجل أن استودع الماء في بطن الأرض لو بقي على رهر الأرض لفسد وأفسد الهواء وأهلك المواشي بل وأهلك الآدميين من رائحته ونتنه ولكن الله عز وجل بحكمة ورحمته جعل هذه
الأرض تشربه ويصبكه ينابيع بيها حتى يأتي حاجة الناس إليه فيحفرونه فيصلون إليه أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون والله هو الذي أنزلها عز وجل لو اجتمع
الأمة الناس كلهم على أن ينزلوا قطرة من السماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ولكن الله عز وجل هو الذي منزله بقدرته ورحمته إذن نحن لا نطعم شيئا لا من طعام لا من مأخور ولا من مشروع إلا
بالله عز وجل ولهذا قال كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم واستطعم الله عز وجل يكون بالقول وبالفعل أما بالقول فأن تسأل الله عز وجل أن يطعمك وأن يرزقك وأما بالفعل فله جهتان
الجهة الأولى العمل الصالح فإن العمل الصالح سبب لكثث الأرزاق وسعتها قال الله عز وجل ولو أن أهل القرى آمنوا وابتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا
يكسبون وقال تعالى وقال تعالى ولو أن أهل الكتاب آمنوا وابتقوا لكفرنا عنهم سجيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل عليهم ربهم لأكلوا من فوقهم ومن
تحت أرجلهم من فوقهم من ثمار الأشجار ومن تحت أرجلهم من ثمار الزرور المهم أن هذا من أسباب الإطعام الله الجهة الثانية جهة الاستطام الفعلي أن نحرث الأرض ونحفر الآباب نستغلج المياه نزرع
الحبوب نغرس الأشجار وما أشبه ذلك فالاستطام إذن يكون بالقول ويكون بالفعل والفعل له جهتان الجهة الأولى العمل الصالح والجهة الثانية الأسباب الحسية المادية كالحرض وحفر العبار وما أشبه
ذلك وقوله جل ذكره فاستطعموني أطعمكم هذه جواب شرط مقدر أو جواب الأمر الذي كان في الشرط يعني أنك إذا استطعمت الله فإن الله يطعمك لكن استطعام الله عز وجل يحتاج إلى أمر مهم وهو حسن
الظن بالله جل وعلا أن تحسن الظن بربك أنك إذا استطعمته وأطعمك أما أن تدعو الله وأن تغاكم الله أو تفعل الأسباب وأنت معتمت على قوتك لا على ربك فإنك قد تكون مخذولا والعياذ بالله ولكن
استطعم الله وحده استطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم كلكم عار إلا من كسوته لأن الإنسان يقضل من بطن أمه ليس عليه ثيار مجردا لا ثيار ولا شعر يكسوه كما
يكون في الحيوان وهذه من حكمة الله عز وجل من حكمة الله أن الله جعلنا نخرج بادية أبشار جلودنا بادية حتى نعرف أننا محتاجون إلى كسوة تستر عوراتنا حسا كما أننا محتاجون إلى عمل صالح يستر
عوراتنا معنا لأن التقوى لباس كما قال تعالى ولباس التقوى ذلك خير فأنت انظر في نفسك محتاج إلى الكسوة الحسية لأنك عالي كذلك أيضا محتاج إلى الكسوة المعنوية وهي العمل الصالح حتى لا تكون
عاليا ولهذا ذكر بعض العابرين للرؤية أن الإنسان إذا وجد نفس إذا رأى نفسه المنام عاليا فإنه يحتاج إلى كثرة الاستغفاء لأن هذا جليل على نقصان تقوى فإن التقوى لباس على كل حال نحن عراء
إلا بكسوة الله عز وجل وقد سخر الله الأنى من الكسوة ما نفسه به أبداننا ولله الحمد من أصناف اللباس المتنون من كل نوع لا سيما في البلاد الغنية التي التي ابتلاها الله عز وجل بالمال فإن
المال في حقيقة فتنة يخشى على الأمة منه كما قال محمد صلى الله عليه وسلم والله ما الفقر أخشى عليكم وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما
أهلكته المال اهتلأ بلو يحتاج إلى صبر على أداء ما يجب فيه وإلى شكر على ما يجب له على كل حال أقول إن الله سبحانه وتعالى من علينا باللباس ولولا أن الله يسره لنا ما تيسر لو نظرت في
الخلق في وقتك الآن وتأملت لوجدت كما سمعنا من يبيتون عراتا ليس على أبدانهما يسره ربما يسرون السوء في الأشتار ونحوها وليس عليهم ما يسره من الذي سترك ومن عليك هو الله ولهذا عز وجل قال
يا عبادي كلك معار إلا من كسوته فاستكسون أكسكم ونقول في قوله استكسون أكسكم كما قلنا في قوله استطعموني أطعمكم يعني أن الاستكساء يكون بالقول ويكون بالفعل أما القول فأن تسأل الله عز
وجل أن يكسوك وإذا سألت الله أن يكسو بدنك حسا فاسأل الله أن يكسو عورتك المعنوية التوفيق لطاعة الله الثاني الاستكساء بالفعل وذلك على وجهين الوجه أول بالأعمال الصالحة والوجه الثاني
بفعل الأسباب الحسية التي يكون بها تكون بها الكسوة من إحداث المعامل والمصانع وغير ذلك وفي الربط بين الجوع والكسوة والهداية مناسبة لأن الجوع في الحقيقة كسوة البدن باطنا فإن الجوع
والعطش معناه قلوب المعدة من الطعام والشراب وهذا تعذل له والكسوة سطر البدن ظاهرة والهداية السطر المهم المقصود وهو سطر القلوب والنخوص من عيوب الزنوب والله مرسل قال المؤلف رحمه الله
تعالى في سياق حديث أبي ذرن الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر
لكم هذا أيضا من تمام نعمة الله على العبد أن الله جل وعلا يعرض عليه أن يستغفر إلى الله ويتوب إليه مع أنه يقول إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا أي جميع الذنوب من
الشرك بالله والكفر والكبائر والصغائر كلها يغفرها الله ولكن بعد أن يستغفر الإنسان ربه ولهذا قال فاستغفروني أغفر لكم أي طلبوا مني المغفرة حتى أغفر لكم ولكن المغفرة ليست مجرد أن يقول
الإنسان اللهم اغفر لي أي أن طلب المغفرة ليس مجرد أن يقول اللهم اغفر لي بل لا بد من توبة صادقة يتوبها الإنسان لله أزوجل والتوبة الصادقة هي التي تجنى خمسة شروط الشرط الأول أن يكون
الإنسان فيها مخلصا لله عز وجل لا يحمله على التوبة مراءة الناس ولا تسميعهم ولا تسميعهم ولا أن يتقرب إليهم بشيء وإنما يقصد بالتوبة الرجوع إلى الله حقيقة والإخلاص شرط في كل عمل ومن
جملة الأعمال الصالحة التوبة إلى الله عز وجل كما قال تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعل كنتم في الحوم ومنها أن يندم الإنسان الشرط الثاني من شروط التوبة أن يندم الإنسان
على ما وقع منه من الدم يعني أن يحزن ويتأسف ويعرف أنه ارتكب خطأ حتى يندم عليه أما أن يكون ارتكاب الخطأ وعدمه عنده على حد سواء فهذه ليست بتوبة لابد من أن يندم بقلبه ندما يتمنى أنه لم
يقع منه هذا الدم والثالث أن يقلع عن الزم فلا توبة مع الإصرار على الذنوب كما قال تعالى ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أما أن يقول إنه تائف من الذنب وهم صر عليه فإنه كاذب مستهزئ
بالله عز وجل فمثلا لو قال أتوب إلى الله من الغيبة ولكنه كلما جلس مجلسا ارتاب عباد الله فإنه كاذب في توبته ولو قال أتوب إلى الله من الربا ولكنه مصر عليه يبيع بالربا ويشتري بالربا
فهو كاذب في توبته ولو قال أتوب إلى الله من السماع الأغاني ولكنه مصر على ذلك فهو كاذب في توبته ولو قال أتوب إلى الله من معصية الرسول صلى الله عليه وسلم في إعفاء اللحية فكان يحلقها
وهو يقول أتوب إلى الله من حلقها فإنه كاذب وهكذا جميع المعاصم إذا كان الإنسان مصر مصرا عليها فإن دعواه التوبة كذب ولا تقضي توبته ومن ذلك أي من التخلي عن الذنب والإقلاع عنه أن يرد
المظالم إلى أهلها إذا كانت المعصية في حقوق العباد فإن كانت بأختمال فليرد المال إلى من أخذه منه فإن كان قد مات فليرده إلى وردته فإن تعذر عليه أن يعرف الوردة أو نسي الرجل أو ذهب
الرجل إلى مكان لا يمكن العذور عليه لتوى أن يكون أجنبيا فيذهب فيرجع إلى بلده ولا يترى أين هو ففي هذا الحال يخرج ما عليه صدقة ينويها لصاحب المعنى الذي يطلبه إذا كان الذنب في غيبة
وكان المغتاب قد علم أن هذا الرجل قد اغتابه فلابد أن يذهب إليه ويتحلل منه وأخوه الذي جاءه يعتذر إليه ينبغي له أن يقبل وأن يسامح عنه لأنه إذا جاء إليك أخوك معتدرا مقرم بالذنب فاعكوا
عنه واصلح إن الله يحب المسيح ولكن إذا لم يقبل أن يتسامح عن غيبته إلا بشيء من الماء فآطه الماء آطه من الماء حتى يقتنع ويحلل ويحلل كذلك إذا كانت إذا كانت المعصية مسادة بينك وبين أحد
حتى ضربته مثلا فإن التوبة من ذلك أن تذهب إليه وتستسمح منه وتقول ها أنا أمامك أضربني كما ضربته كما ضربته حتى يسمح عنه المهم أن من الإقلاع عن المعصية إذا كانت لآدمي أن تتحلل منه سواء
كانت مظلمة مال أو بدن أو عرض الشرط الرابع أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل فإن تاب وأقل عن الذنب لكن في قلبه أنه إذا حانت الفرصة عاد إلى ذنبه فإن ذلك لا يقبل منه هذه التوبة هذه
التوبة لاعب لكن لا بد أن يعزم فإذا عزم ثم قدر أن نفسه سولت له بعد ذلك ففعل المعصية فإن ذلك لا ينقل التوبة السارقة لكن يحتاج إلى توبة جديدة من الذنب مرة ثانية الخامس أن تكون التوبة
في الوقت الذي تقبل فيه فإن فات الأوان لم تنفع التوبة ومتى يفوت الأوان يفوت الأوان إذا حضر الإنسان الموت إذا حضره الموت فلا توبة لو ثاب لم تنفع لقول الله تعالى وليست التوبة للذين
يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني ثبت الآن الآن ما في فائد ولهذا لما أغرق فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بني إسرائيل وأنا من المسلمين فقيل له آل آن يعني
أتقول هذا الآن وقد عصيت قبل وكنت من المرسدين هات الأوان ولهذا يجب على الإنسان أن نبادر بالتوبة لأنه لا يدري متى يفتعه الموت كم من إنسان نات بغتة مفاجئة فليتوب إلى الله قبل أن يفوت
الأوان أما الثاني الذي تبوت بالتوبة فهو إذا طلعت الشمس من مغربها فإن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الشمس الآن تدور بإذن الله على الأرض وإذا غابت سجلت تحت عرش الرحمن عز وجل
واستأذنت الله فإن أذن لها استمرت في سيرها وإلا قيل رجعي من حيث جئتي فترجع بإذن الله وأمره فتطلع على الناس من المغرب فحينئذ يؤمن جميع الناس كل الناس تبون ويرجعون لله ولكن ذلك لا
ينفعهم قال الله تعالى هل ننظرون إلا أن تعتيهم الملائكة يعني عند الموت أو يأتي ربك يعني يوم القيامة للإنسان أو يأتي بعض آيات ربك يعني طلع الشمس من مغربها يوم يأتي بعض آيات ربك لا
ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا حاله خمسة شروط للتوبة لا تقبل إلا بها فعليك يا أخي أن تبادل التوبة إلى الله والرجوع إليه ما دنت في زمن الإنهاء قبل أن
لا يحصل لك ذلك واعلم أنك إذا تبت إلى الله توبة نصوحا فإن الله يتوب عليك وربما يرفعك في منزلة أعلى من منزلتك انظر إلى آدم أبيك حيث نهاه الله عن الأكل من الشجرة فعصى ربه في وسوسة
الشيطان له قال الله تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدأ لما تاب نال الاشتباه اجتباه الله وصار في منزلة أعلى منه قبل أن يعصي ربه لأن المعصي أحدثت له خجلا وحياء من
الله وإنابة إليه ورزوان إليه فصارت حاله أعلى حالا من قبل واعلم أن الله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل كان على راحلته وعليها طعامه وشرابه في أرض ثلاث ما فيها أحد فأضاع الناق
وطلبها فلم يجدها فنام تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطام ناقته متعلقا بالشجرة قد جاء الله بها فأخذ بخطامها وقال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ أراد أن يقول اللهم أنت ربي
وأنا عبدك لكن أخطأ من شدة الفرح فإذا اشتد فرحه لا أدري ما يقول كما أنه إذا اشتد غضبه لا أدري ما يقول فالله بتوبة عبده المؤمن أشد فرحا بتوبة هذا بفرح هذا بناقته نسأل الله أن يتوب
علينا وعليكم وأن يرزقنا الإنابة إليه أبي ذرن الغفار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه جل وعلا قال في ضمن هذا الحديث يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني
ولن تبلغوا ضري فتضروني يعني أنه تبارك وتعالى غني غني عن العباد لا ينتفع بطاعتهم ولا تضره معصيتهم فإنه عز وجل قال في كتابه وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما
أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق في القوة المتين فالله عز وجل لا ينتفع بأحد ولا يتضرر بأحد لأنه غني خلق جل وعلا وإنما خلق الخلق لحكمة أرادها تبارك وتعالى وخلقهم لعبادتهم ثم إنه
أثاء وعدت الطاعين بالثواب وتوعد العاصين بالعقاب حكمة منه لأنه خلق الجنة والنار وقال لكل منكما علي ملؤها فالنار لا بد أن تملى والجنة لا بد أن تملى كما قال عز وجل ولذلك خلقهم وتمت
كلمة ربك لأمل أن جهنم من الجنة والناس أجمعين إذن فالله تعالى لن تنفعه ضاعة الطاعين ولم تضره معصية العاصين ولن يبلغ أحد ضرار مهما كان ولهذا قال في مباد بعد الجملة هذه لو أن أولكم
وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفطى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملك شيء لو أن أول الخلق وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا متقين على أفطى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملك الله شيء لأن
الملك ملك لا للطاعين ولا العاصين ولا العاصين كذلك أيضا يقول جل وعلا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملك شيء لو كان الناس
كلهم من جن وإنس وأولهم وآخرهم لو كانوا كلهم فجارا وعلى أفجر قلب رجل فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيء قال الله تعالى إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه
لكم فالله جل وعلا لا ينقص ملكه بمعصية العصار ولا يزيد بطاعة الطائعين هو ملك الله على كل حال ففي هذه الجمع الثلاث تليل على كمال غنى الله سبحانه وتعالى وكمال سلطانه وأنه لا يتضرر
بأحد ولا ينتفع بأحد لأنه غني عن كل أحد قال المعالف رحمه الله تعالى فيما نقله من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي
لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألونه فأعطيت كل إنسان مسألة ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر هذه الجملة تدل على ساعة ملك الله عز وجل
وعلى كمال غنىه تبارك وتعالى لو أن الأولين والآخرين والإنس والجن قاموا كلهم في صعيد واحد فسألوا الله ما تبلغه نفوسهم من أي مسألة وإن عظمت فأعطى الله كل إنسان ما سأل بل أعطى الله كل
سائل ما سأل فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئا لأن الله جواد واجد عظيم الغنى واسع العطاء عز وجل إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر اغمس المخيط في البحر وانظر ماذا ينقص البحر إنه لا
ينقص البحر شيئا ولا يمكن أن ينسب إليه من الذي يأخذه المخيط من البحر؟
وذلك لأنه عز وجل واسع الغنى جواد ماجد كريم سبحانه وتعالى يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها يعني إنما هي الشأن كله أن الإنسان بعمل يحصي الله أعماله ثم إذا كان يوم
قيامه وفاه إياه فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرى فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا ينومن إلا نفسه هو الذي أخطأ هو الذي منع نفسه الخير أما إذا وجد
خير فليحمد الله لأن الله تعالى هو الذي من عليه أولا وآخرا من عليه أولا بالعمل ثم من عليه ثانيا بالجزاء الوافر من جاء بالحسنة فله عشر أمتالها ومن جاء بالسيئة فلا يتألا مثلها فهذا
الحديث حديث عظيم تناوله العلماء بالشرح والسنباط الفوائد والأحكام منه وممن أفرد له مؤلفا شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله شرح هذا الحديث في كتاب من مستقل فعلى الإنسان أن يتدبر هذا
الحديث ويتأمله ولا سيما الجملة الأخيرة منه وهي أن الإنسان يجزى بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر وهذا هو وجه وضع المؤلف هذا الحديث في باب المجاهدة أن الإنسان ينبغي له أن يجاهد نفسه
وأن يعمل خير حتى يجد ما عند الله خيرا وأعظم أجرا واللهم وفضل