61- شرح رياض الصالحين / باب لاستقامة / الاســــتـقــامــة / بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
باب في الاستقامة قال الله تعالى فاستقم كما أمرت وقال تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة وأن لا تخافوا ولا تحزنوا وأفشروا بالجلة التي كنتم ترعدون نحن
أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من عفور رحيم وقال تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون
أولئك أصحاب الجلة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون يا رحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى باب الاستقامة الاستقامة هي أن يثبت الإنسان على شريعة الله سبحانه وتعالى كما أمر الله ويتقدمها
الإخلاص لله عز وجل ثم ذكر المؤلف عدة آيات في هذا فقال وقول الله تعالى فاستقم كما أمرت الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم والخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم يكون له ولأمته
إلا إذا قام دليل على أنه خاص به فإنه يختص به وأما إذا لم يقم دليل على أنه خاص به فإنه له وللأمة فمما دل الدليل على أنه خاص به مثل قوله تعالى ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي
أنقذ ظهرك فإن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ومثل قوله ولقد آتيناك سبعا من المثان والقرآن العظيم هذا أيضا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم وأما إذا لم يقم دليل على أنه خاص به فهو
له وللأمة وعلى هذه القاعدة يكون قوله تعالى فاستقم كما أمرت عاما له ولأمته كل واحد يجب عليه أن يستقيم كما أمر لا يبدل في دين الله ولا يزيد فيه ولا ينقص ولهذا قال في نفس الآية ولا
تتبع أهواء وقال فآلا إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا قالوا ربنا الله أي خالقنا ومالكنا ومدبر أمورنا فنحن نخلص له ثم استقاموا على ذلك على قولهم ربنا الله فقاموا بشريعة الله
هؤلاء الذين اتصفوا بهذين الرصفين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ملكا بعد ملك أن لا تخافوا ولا تحزن يعني أن الملائكة تتنزل عليهم بأمر الله في كل موطن مخوف ولسيما
عند الموت يقولون لهم لا تخافوا ولا تحزن لا تخافوا فيما تستقبلون من أموركم ولا تحزنوا على ما مضى من أموركم وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون والبشرى هي الإخبار بما يسر ولا شك أن
الإنسان يسره أن يكون من أهل الجنة أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون لأن كل من قال ربي الله واستقام على دين الله فإنه من أهل الجنة يقولون لهم أيضا
نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة فالملائكة أولياء للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا في الحياة الدنيا تسددهم وتساعدهم وتعينهم وكذلك في الآخرة ستلقاهم الملائكة يوم البعث
والحساب هذا يومكم الذي كنتم توعدون فيبشرونهم بالخير في مقام الخوف والشدة قال الله عز وجل ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون لكم فيها أيث الآخرة ما تشتهي أنفسكم وذلك في
نعيم الجنة فإن الجنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعيم ولكم فيها ما تدعون أي ما تطلبون من كل نعيم بل لهم فوق ذلك لهم ما يشاءون فيها ولدين مزيد لهم زيادة على ما يدعون ويطلعون
ويطلعون ويتمنونه نزلا من غفور الرحيم يعني أن الجنة نزل لهم طيافة من غفور الرحيم غفور غفر لهم سيئاتهم رحيم بهم رفع لهم درجاتهم هذا جزاء الذين يقولون ربنا الله ثم يستقمون وفي هذا
دليل على أهمية الاستقامة على دين الله بأن يكون إنسان ثابتا لا يزيد ولا ينقص ولا يبدل ولا يغير فأما من غلى في دين الله أو جفى عنه أو بدل فإنه لم يكن مستقيما الاستقامة لابد لها من
الاعتداء في كل شيء حتى يكون الإنسان مستقيما على شريعة الله عز وجل واللهم وفهم وقال تالا إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوفنا ليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين
فيها جزاء بما كانوا يعملون باب في الاستقامة الاستقامة هي الثبات على دين الله وعلى شرعه وأن يكون الإنسان مرتزما بالشريعة لا زائدا فيها ولا ناقصا عنها ثم ذكر المؤلف قول الله عز وجل
فاستقم كما أمرت وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والخطاب له خطاب له ولأمته ما لم يدل الدليل على أنه خاص به فإن دل الدليل على أنه خاص به فهو له وحده وقال تعالى إن الذين قالوا ربنا
الله هم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وعبشروا بالجنة التي كنتم توعدون هلذين قالوا ربنا الله يعني آمنوا به ربا ورضوا بدينه ورضوا بشرعه ورضوا بقضائه وقدره
ورضوا بكل ما جاء منه سبحانه وبحمده ثم استقاموا على الدين هؤلاء تتنزل عليهم الملائكة من السماء تؤيدهم وتثبتهم وتشجعهم تقول لهم أن لا تخافوا ولا تحزنوا ومتى هذا التنزل هل يكون عند
الموت أو يكون عند الشدائب الصحيح أنه يكون عند الشدائب عند الموت وغيره حتى عند الجهاد والقتال ومهاجمة الآداء تتنزل عليهم تثبتهم وتطمئنهم أن لا تخافوا في المستقبل ولا تحزنوا على ما
مضى وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون البشارة هي الإخبار بما يسر وتكون في الخير وربما تكون في الشر مثل قوله تعالى فبشرهم بعذاب أليم فإن العذاب الأليم ليس يسر لكن هذا من باب التهكم
بهم يعني أن الله عز وجل أو أن الملائكة تغشرهم في العذاب الأليم تهبكما بهم كقوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم وقوله نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة اللهم اجعل الملائكة
أولياءنا بمنك وكرمك نحن أولياء الذين تولاكم في النصر والتأيين والتثبيت في أمر الله كما قال تعالى إذوح ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي
الآخرة فإنهم يتولون المؤمنين الذين استقاموا على دين الله يتلقونهم يوم المحشر يقولون سلام عليكم بما صبرتم وكذلك في الجنة نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي
عنفسكم ولكم فيها ما تدعون أي ما تتلبون نزلا من غفور الرحيم وقال تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحسنون أولئك أصحاب جنة خالدين فيها جزاء بما كانوا
يعملون فهذه الآيات تشبره التي قبلها وكل وكل هذه الآيات الثلاث تدل على أهمية الإيمان والاستقامة ولهذا سأل سفيان بن عبد الله البجري رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤالا
فقال قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيره يعني يكون كافيا شافيا جامعا مانعا لا أحتاج معه إلى سؤال أحد قال قل آمنت بالله ثم استقم آمنا بالله ونسله الاستقامة آمنت بالله يعني
آمنت إيمانا لا كفر معه يقينا لا شك معه بالله عز وجل وأنه رب الخلق وأنه لا إله إلاه وأنه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه رب كل شيء أميك ومليكه ثم استقم على دينه وشرأه فهذه كلمة قالها
النبي عليه الصلاة والسلام لمن قال له قل لي قونا لا أسأل عنه قل لي قونا في الإسلام لا أسأل عنه أحدا غيره فأنت يا أخي اقبل وصية النبي صلى الله عليه وسلم قل آمنت بالله ثم استقم على
دين الله فهذا يحصل لهم يحصل لك به سعادة الدنيا والأخوة واللهم أخوة عن سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال كنت يا رسول الله قلني في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا عيرك قال قل آمنت
بالله ثم استقم رواه مسلم بسم الله الرحمن الرحيم هذا الباب الذي نحن فيه هو باب الاستقامة وقد سبق لنا تفسيرها وتفسير الآيات التي جاءت بها أما الحديث فلكم المؤلف رحمه الله عن سفيان بن
عبد الله رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيره يعني قل لي قولا يكون فصلا وحاسما ولا يحتاج إلى سؤال أحد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قل
آمنت بالله ثم استقمت فقوله عليه الصلاة والسلام قل آمنت ليس المراد بذلك مجرد القول باللسان فإن من الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ولكن المراد بذلك قول القلب
واللسان أيضا يعني أن يقول الإنسان بلسانه بعد أن يقر بذلك في قلبه ويعتقد اعتقادا جازما لا شك فيه لأنه لا يكفي الإيمان بالقلب ولا الإيمان باللسان لا بد من الإيمان بالقلب واللسان
ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول وهو يدعو الناس إلى الإسلام يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحه فقالقول لأرسنتكم كما أنه لا بد من القول بالقلب وقول آمنت بالله
يشمل الإيمان بوجود الله عز وجل وبرهوبيته وبأسمائه وصفاته وبأحكامه وبأخباره وكل ما يأتي من قبل عز وجل تؤمن به فإذا آمنت بذلك فاستقم على دين الله استقم عليه يعني لا تحد عنه لا يمينا
ولا شمالا لا تقصر ولا تزد استقم على الدين استقم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وذلك بالإخلاص لله عز وجل والمتابعة لرسوله استقم على الصلاة استقم على الزكاة استقم
على الصيام على الحج على جميع شريعة الله وفي قولها عليه الصلاة والسلام قل آمنت بالله ثم دليل على أن الاستقامة لا تكون إلا بعد الإيمان وأن من شرط الأعمال الصالحة أي من شرط صحتها
وقبولها أن تكون مبنية على الإيمان فلو أن الإنسان عامل بظاهره على ما ينبغي ولكن باطنه خراب في شك أو في اضطراب أو في إنكار وتكذير فإن ذلك لا ينفعه ولهذا اتفق العلماء رحمهم الله على
أن من شروط صحة العبادة وقبولها أن يكون الإنسان مؤمناً بالله أي مؤترفاً به وبجميع ما جاء من قبله تبارك وتعالى هذا الحديث يستفاد منه أيضاً أن الإنسان ينبغي له إذا قام بعمل أن يشعر
بأنه يقوم به لله وأنه يقوم به بالله لأنه لا يستقين على دين الله إلا بعد الإيمان بالله عز وجل فيشعر بأنه يقوم به الله أي مخلصاً وبالله أي مستعيناً في الله أي متبعاً لشرعه وهذه
مستفادة من قوله تعالى إياك نعبد وإياك نستعيد إهدنا الصراط المستقيم فالأول قيام لله والثاني قيام به والثالث قيام فيه أي في شرعه ولهذا نقول إن المراد بالصراط المستقيم في الآية
الكريمة هو شرع الله عز وجل الموصل إليه والله مرحب لما ذكر المؤلف رحمه الله الآيات الواردة في الاستقامة والحديث الواردة فيها ذكر الحديث الذي فيه ما يدل على أن الاستقامة إنما تجيب
بحسب الاستطاع وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم قاربوا وسددوا قاربوا يعني قاربوا ما أمرتم به واحرصوا على أن تقربوا منه في قدر المستطاع وقول السددوا أي سددوا على الإصابة أي احرصوا
على أن تكون أعمالكم مصيبة مصيبة للحق في قدر المستطاع وللك لأن الإنسان مهما بلغ من التقوى فإنه لا بد أن يخطئ كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعليه وسلم أنه قال كل بني
آدم خطاء وخير الخطائين التوابون وقال عليه الصلاة والسلام لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر له فالنسان مور في أن يقارب ويسدق بقض ما استطيع ثم قال
عليه الصلاة والسلام واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله يعني لن ينجو من النار بعمله وذلك لأن العمل لا يبلغ ما يجب لله عز وجل من الشكر وما يجب له على عباده من الحقوق ولكن يتغمد الله
سبحانه وتعالى المرأة برحمته فيغفر له فلما قال هكذا لن ينجو أحد منكم بعمله قالوا ولا أنت قال ولا أنا حتى النبي عليه الصلاة والسلام لن ينجيه عمله إلا أن يتغمدني الله برحمة منه فدل
ذلك على أن الإنسان مهما بلغ من المرتبة والولاه فإنه لن ينجو بعمله حتى النبي عليه الصلاة والسلام لولا أن الله من عليه بأن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ما أنجاه عمله فإن قال قائل
هناك نصوص من الكتاب والسنة تدل على أن العمل الصالح ينجي من النار ويذهل الجنة مثل قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلا نحينه حياة طيبة ولا نزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا
يعملون فكيف يجمع بين هذا وبين الحديث الذي سمعناه والجواب عن ذلك أن يقال يجمع بينهما بأن المنفي دخول الإنسان العمل لدخول الإنسان الجنة في العمل أي في المقابلة أما المثبت فهو أن
العمل سبب وليس غوضا فالعمل لا شكل من سبب لدخول الجنة والنجاة من النار لكنه ليس هو العوض وليس وحده الذي يدخل به الإنسان الجنة ولكن فضل الله ورحمته هما السبب هما الذين يوصلان الإنسان
إلى الجنة وينجيانه من النار وفي هذا الحديث من الفوائد أن الإنسان لا يعجب بعمله مهما عمل من الأعمال الصالحة لا تعجب بعمله عملك قليل بالنسبة لحق الله عليه وفيه أيضا من الفوائد أنه
ينبغي للإنسان أن يكثر الله دائما من السؤال بأن يتغمده الله برحمتي أكثر من هذا واللهم تغمدني برحمة منك وفضل دائما لأن عملك لن يوصلك إلى مرات الله إلا برحمة الله عز وجل وفيه دليل على
حرص الصحابة رضي الله عنهم عن ما على العلم ولهذا لما قال لي أنتوا أحد منكم بعمله استفصلوا هل هذا العموم شامل له أم لا تبين لهم صلى الله عليه وسلم أنه شامل له ومن تدبر أحوال الصحابة
مع النبي صلى الله عليه وسلم وجد أنهم أحرص الناس على العلم وأنهم لا يتلقون شيئا يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم إلا سألوا عنه والله موفق