58- شرح رياض الصالحين / باب اليقين والتوكل / سبقك بها عكاشة-حسبنا الله ونعم الوكيل/ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظلنت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغين حساب ولا عذاب ثم نهض فدخل منزله فخار الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب فقال بعضهم فلعل هم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم فلعل هم الذين أورجوا في الإسلام فلم يشركوا بالله وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من الذي تقولون فيه فأخبروه فقال هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال دعو الله أن يجلني منهم فقال أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال ادعو الله أن يجلني منهم فقال سبقك بها عكاشة متفق عليه سبق لنا ما ذكره المؤلف رحمه الله من آيات التوكل ثم ذكر هذا الحديث العظيم الذي أخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمم عرضت عليه يعني أوري الأمم عليه الصلاة والسلام وأنبياءهم يقول فرأيت النبي ومعه الرهيط يعني معه الرهد القليل يعني ما بين الثلاثة إلى العشرة والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد يعني أن الأنبياء عليه الصلاة والسلام ليس كلهم قد أطاعهم قومهم بل بعضهم لم يطعوا أحد من قومهم وبعضهم أطاعه الرهد وبعضهم أطاعه الرجل والرتلاء وانظر أن نوح عليه الصلاة والسلام مكت في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يذكرهم بالله ويجعوهم إلى الله قال الله تعالى وَمَا آمَنَ مَا آمَنَ مَا آمَنَ مَا آمَنَهُ إِلَّا قَلِيْهِ كلها لمجة ألف سنة إلا خمسين عاما وهو يدعوه ولكنه لم يلق منهم قبولا بل ولا سلم من شره قال وَإِنِّي كُلَّمَا دَعُوتُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهُمْ وَاسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبَارًا وَكَانُوا يَمْرُونَ بِهِ فَيَسْخَرُونَ مِنْهِ يقولها رُفِي عَلِي السَّوَاد يعني بشر كثير فيهم جهمة من كثرتهم فضلنت عنهم أمتي فقيل هذا موسى وقومه لأن موسى من أكثر الأنبياء أتباعا وعثى في بني إسرائيل وأنزل الله عليه التوراة التي هي أم الكتب الإسرائيلية قال ثم قيل لي انظر فنظرت إلى الأفق فإذا سواد عظيم وفي لفظ قد سد الأفق فقيل انظر إلى الأفق الثاني فنظرت إليه فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعا لأنه منذ بُعث إلى يوم القيامة والناس يتبعون صلى الله عليه وسلم فكان أكثر الأنبياء تابعا قد ملأ أتباعه ما بين الأفقين ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذا مع هذه الأمة سبعون ألفا لا يدخلون الجنة لا يحاسبون ولا يعذبون من الموقف إلى الجنة بدون حساب ولا عداء اللهم اجعلنا منهم وقد ورد أن مع كل واحد من سبعين الألف سبعين ألفا إذن أضرب سبعين ألف في سبعين ألف يكون هؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عداء ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك ومن هؤلاء من هؤلاء قال بعضهم لعلهم الذين صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني لعلهم الصحابة وقال آخرون لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء كل أتى بما يظن فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عما يكونون فيه فأخبروه فقال صلى الله عليه وسلم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتبون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون هذا لفظ مسلم وفيه لا يرقون والمؤلف رحمه الله قال إنه متفق عليه وكان ينبغي أن نبين أن هذا اللفظ لفظ مسلم فقط دون رواة البخاري وذلك أن قوله لا يرقون كلمة غير صحيح لا تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام لأن معنى لا يرقون يعني لا يقرؤون على المرضى وهذا باطل فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يرقى يرقى على المرضى وأيضا القراءة على المرضى إحسان فكيف يكون انتفاؤها سببا لدخول الجنة بلا حسب ولا عذاب فالمهم أن هذه اللفظة لفظة شادة خطأ لا يجوز اعتمادها والصواب هم الذين لا يسترقون يعني لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليه إذا أصابهم شيء ولا يكتبون لا يطلبون من أحد أن يقويهم إذا مرضوا ولا يتطيرون يعني لا يتشاؤمون وعلى ربهم يتوكلون يعني يعتمدون على الله وحده فهذه أربع صفات لا يسترقون ولا يكتبون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون الشاهر من هذه قوله وعلى ربهم يتوكلون هذا هو المناسب لباب التوكل إذن نقول إن قوله لا يرقون خطأ بل إن الذي يقرأ على غيره محسن وعمله هذا من أسباب كثرة الثواق لا من أسباب حرمان دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب لا يسترقون يعني لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم لأنهم معتمدون على الله ولأن الطلب فيه شيء من الذل لأنه سؤال تسأل غيرك ربما تخرجه وهو لا يريد أن يقرأ وربما إذا قرأ عليك لا يبرأ المرض فتتهمه وما أشبه ذلك لهذا قال لا يسترقون لا يكتبون يعني لا يطلبون من أحد أن يكويه لأن الكيئة عذاب بالنار لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة ولا يتطيرون يعني لا يتشاعرون لا بمرئي ولا بمسموع ولا بمشموم ولا بمذوق لا يتطيرون أبدا وقد كان العرب في الجاهلية يتطيرون إذا طار الطير وذهب نحو اليسار تشاعر إذا رجع تشاعر وإذا تقدم نحو الأمام صار لهم نظر آخر وكذلك نحو اليمين والطيرة محرمة لا يجوز لأحد أن يتطير لا بطيور ولا بأيام ولا بشهور ولا بغيرها يتطير العرب فيما سبق بشهر شوال يتطيرون به إذا تزوج الإنسان فيه يقولون إن الإنسان إذا تزوج في شهر شوال لم يوفق فكانت عائشة رضي الله عنها تقول سبحان الله إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في شوال ودخل بها في شوال وكانت أحب نسائه إليه كيف يقال إنه ليتزوج في شوال ما يوفق كانوا يتشاهمون بيوم الأربعة يوم الأربعة يوم كأيام الأسبوع ما في التشاهم كان بعضهم يتشاهم بالوجوه إذا رأى وجها ينكره تشاهم حتى إن بعضهم إذا فتح دكانه وصار أول من يأتيه رجل أعور لأعمى غلق دكانه قالوا ما فيه رزق مدم هذا أول من جاء ما فيه رزق يتشاهمون عياذ بالله والتشاهم كما أنه شرك أصغر فهو أيضا حصرة على الإنسان يتألم من كل شيء نراه لكن لو اعتمد على الله وترك هذا هذه الخرفات لسلم ولا صار عيشه صافيا سعيدا أما قوله على رضي ما توكرون فمعناه أنهم يعتمدون على الله في كل شيء لا يعتمدون على غيره لأنه جل وعلا هو الذي قال في كتابه ومن يتوكل على الله فهو حصب ومن كان الله حصبه فقد كف في كل شيء هذا الحديث العظيم فيه سفات من يدخل الجنة بلا حساب ولا عداء فقام عكاشة بن محصن رضي الله عنه فقال يا رسول الله ادعو الله أن يجعلني منه ما شاء الله بادر بادر إلى الخير وسبق إليه قال أنت منهم ولهذا نحن نشهد الآن بأن عكاشة بن محصن رضي الله عنه يدخل الجنة بلا حساب ولا عداء نشهد على هذا لأن الرسول صلى الله قال له أنت منهم فقام رجل آخر قال ادعو الله أن يجعلني منهم قال سبقك بها عكاشة فرده النبي عليه الصلاة والسلام لكنه رد لطيف لم يقل لس منهم بل قال سبقك بها عكاشة واختلف العلم لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم سبقك بها عكاشة فقيل لأنه كان يعلم أن هذا الذي قال ادعو الله أن يجعلني منهم قد علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه منافق والمنافق لا يدخل الجنة فضل عن أن يكون يدخلها بلا حساب ولا عذاب وقال بعض العلماء بل قال ذلك لأن لا ينفتح الباء فيقوم من لا يستحق أن يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب ويقول ادعو الله أن يجعلني منهم وعلى كل حال فنحن لا نعلم علما يقينيا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدعو الله له إلا لسبب معين الله أعلم لكننا نستفيد من هذا فائد وهو الرد الجميل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن قوله سبقك بها عكاشة ما فيه ما يجرحه لا يجرحه ولا يحزنه سبقك بها عكاشة وسبحان الله صارت هذه مثلا إلى يومنا هذا كلما طلب الإنسان شيئا قد سبق به قيل سبقك بها عكاشة أورد بعض العلماء إشكالا على هذا الحديث وقال إذا اضطر الإنسان إلى القراءة إلى أن يطلب من أحد أن يقرأ عليه مثل أصيب بعين أصيب بالسحر أصيب بجن اضطر هل إذا ذهب يطلب من يقرأ عليه يخرج من استحقاق دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب فقال بعض العلماء نعم هذا ظاهر الحديث واللي أتمد على الله هو يتصبر ويسأل الله العافية وقال بعض العلماء بل إن هذا في من استرقى قبل أن يصاب يعني بأن قال أدعو الله لإقرأ علي أن لا تصيبني العين أن لا يصيبني السحر أن لا يصيبني الجن أن لا يصيبني الحم فيكون هذا من باب من طلب الرقية لأمر متوقع لا واقع وكذلك الكي طيب فإذا قال إنسان الذين يكون غيرهم هل يحرمون من هذا الجواب لا لأن رسول صلى الله عليه وسلم يقول ولا يكتبون يعني لا يكذبون من يكويهم ولم يقل ولا يكون وهو عليه الصلاة والسلام قد كوى أكحل سعد بن معاد رضي الله عنه سعد بن معاد الأوصي الأنصاري وصيب يوم الخندق في أكحله فانفجر الدم والأكحل إن انفجر دمه قضى على الإنسان انفجر الدم فكواه النبي صلى الله عليه وسلم في العرق حتى وقف الدم والنبي عليه الصلاة والسلام هو أول من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب فالذين يكون محسنون والذين يقرؤون على الناس محسنون لكن الكلام على الذين يسترقون أن يطلبون من يقرؤ عليهم أو يكتبون يطلبون من يكويهم والله موفق عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل راوه البخاري رواه البخاري وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار حسب الله ونعم الوكيل بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن ابن عباس صلى الله عليه وسلم حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام هما خليلان لله عز وجل قال الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا والخليل مناه الحبيب الذي بلغت محبته الغاية ولا نعلم أن أحدا وصف بهذا الوصف إلا محمدا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم هما الخليلان وإنك لتسمع أحيانا يقول بعض الناس إبراهيم وخليل الله ومحمد حبيب الله وموسى كريم الله والذي يقول إن محمدا حبيب الله فيه شيء في كلامه نظر لأن لأن الخلة أبلغ من المحبة فإذا قال محمد حبيب الله فهذا فيه نوع نقص من حق الرسول عليه الصلاة والسلام لأن أحباب الله كثيرون فالمؤمنون يحبهم الله المسلمون يحبهم الله المقصدون يحبهم الله والأحباب كثيرون لله لكن الخلة لا نعلم أنها ثبتت إلا لمحمد وإبراهيم وعلى هذا فنقول الصواب إبراهيم خليل الله ومحمد خليل الله وموسى كريم الله على أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد كلمه الله سبحانه وتعالى كلاما بدون واسطة حين عُرِج به إلى السماوات السبع هذه الكلمة قالها إبراهيم حسب الله لمن وكيل حين ألطي في النار وذلك أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأبوا وأصروا على الكفر والشرك فقام ذات يوم على أصنامهم فكسرها وجعلهم جدادا إلا كبيرا لهم فلما رجعوا وجدوا آلهتهم قد كسرت انتقموا والعياذ بالله لأنفسهم فقالوا ماذا ينصنع بإبراهيم قالوا حرقوه انتصارا لآلهتهم وانصروا آلهتكم إن كنتوا فاعلي فأوقدوا نارا عظيمة عظيمة جدا ثم رموا إبراهيم في هذه النار ويقال إنهم لعظم النار لم يتمكنوا من القرب منها وأنهم رموا إبراهيم فيها بالمنجنيق رموه بالمنجنيق من بعد فلما رموه قال حسبنا الله ونعم الوكي فما الذي حدث قال الله تعالى قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم بردا ضد حرب سلام ضد هلاك لأن النار حارة محرقة مهلكة فأمر الله هذه النار أن تكون برجا وسلاما عليه فكانت برجا وسلاما والمفسرون بعضهم ينقل عن بني إسرائيل في هذه القصة أن الله لما قال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم صارت صارت جميع جميع نيران الدنيا بردا وهذا ليس بصحيح لأن الله وجه الخطاب إلى نار معينة يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وعلماء النحو يقولون إنه إذا جاء التركيب على هذا الوجه صار نكرة مقصولة يعني لا يسمى لكل نار بل هو للنار التي ألقي فيها إبراهيم فقط وهذا هو الصحيح وبقية نيران الدنيا بقية على ما هي عليه قال العلم أيضا ولما قال الله تعالى كوني بردا قرن ذلك بقوله كوني سلاما لأنه لو قال كوني بردا فقط لكانت بردا حتى تهلكه لأن كل شيء يمتثل لأمر الله عز وجل كل شيء يمتثل لأمر الله انظر إلى قوله تعالى ثم السوى إلى السماء ويدخان فقال لها وللأرض اتيا طوعا أو كرها فماذا قال قالتا أتينا طائعين أتينا طائعين منقادين لأمر الله عز وجل أما الخليل الثاني الذي قال حسبنا الله نعم الوكيل فهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين رجعوا من أحد قيل لهم إن الناس قد جمعوا لكم يريدون أن يأتوا إلى المدينة ويقضوا عليكم فقالوا حسبنا الله نعم الوكيل قال الله تعالى فانقلبوا انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم نمسسهم سوء واتبعوا رغاء الله والله ذو فضل عظيم فينبغي لكل إنسان رآ من الناس جمعا له أو عدوانا عليه أن يقول حسبنا الله نعم الوكيل فإذا قال وهكذا كفاه الله شرهم كما كفى إبراهيم ومحملا عليهم الصلاة والسلام فاجعل هذه الكلمة دائما على بالك إذا رأيت من الناس عدوانا عليك حسبنا الله ونعم الوكيل يكفك الله عز وجل همهم وَاللَّهُمَّا خَبْتَ