56- شرح رياض الصالحين / باب الـتـقــوى / من حلف على يمين-واتقوا الله وصلوا خمسكم / بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
وعن أبي طريف عدي بن حات بن الطائر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حلف على يمين ثم رأى أتقال الله منا فليأتي التقوى رواه مسلم سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول من حلف على يمين فرأى غيرها أتقى لله منها فليأتي الذي هو أتقى اليمين هي الحلف بالله عز وجل أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته ولا يدون بالحلف بغير الله لا بالنبي صلى الله
عليه وسلم ولا بجبريل ولا بأي أحد من الخلق لقول النبي صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت وقال من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك فمن حلف بغير الله فهو آثم ولا يمين
عليه لأنها يمين غير من عقدة لقول النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ولا ينبغي للإنسان أن يكثر من اليمين فإن هذا هو معنى قوله تعالى واحفظوا أيمانكم على رأي
بعض المفسرين قال واحفظوا أيمانكم يعني لا تكثروا الحلف بالله وإذا حلفت فينبغي أن تقيد اليمين بالمشيئة فتقول والله إن شاء الله لتستفيل بذلك فائدتين عظيمتين الفائدة الأولى أن يتيسر لك
ما حلفت عليه والفائدة الثانية أنك لو حنست فلا كفارت عليك فمن حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث ولو خالف من حلف عليه ولكن إذا اليمين التي توجب الكفارة هي اليمين على شيء مستقبل
أما اليمين على شيء ماضي فلا كفارة فيها ولكن إن كان الحلف كاذبا فهو آثم وإن كان صادقا فلا شيء عليه فالحلف على شيء ماضي لا تسأل فيه هل عليه كفارة أو ليس عليه كفارة لأنه لا كفارة على
يمين في شيء ماضي وإنما يسأل عنه هل يأثم أو يسلم إن كان صادقا فهو سادق وإن كان كاذبا فهو آثم مثال هذا لو قال قائل والله ما فعلت كذا فهنا ليس عليه كفارة صدق أو كذا لكن إن كان صادقا
أنه لم يفعله فهو سالم من الإثم وإن كان كالبا لأن كان قد فعله فهو آثم أما اليمين التي بها الكفارة فهي التي على شيء مستقبل فإذا حلفت على شيء مستقبل فقلت والله لا أفعل كذا فهنا نقول
إن فعلته فعليك الكفارة وإن لم تفعله فلا كفارة عليك والله لا أفعل كذا نقول الآن هذه المنعطلة فإن فعلتهم وجبت عليك الكفارة وإن لم تفعله فلا كفارة عليك ولكن هل الأفضل أن أفعل ما حلفت
على تركه أو الأفضل أن لا أفعله في هذا الحديث بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أنك إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها أتقى لله منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو أتقى فإذا قال قائل والله لا
أكلم فلانا وهو مسلم فإن الأتقى لله أن تكلمه لأن هجر المسلم حرام فكلمه وكفر عن يمينك لأن هذا أتقى لله ولو قلت والله لا أزور قريبي فهنا نقول زيارة القريب صلة صلة رحمة وصلة الرحمة
واجبة فصل قريبك وكفر عن يمينك لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول فرأى غيرها أتقى لله منها فليكفر عن يمينه ولأت الذي هو خير وعلى هذا فقس فصار القراصة الآن أن نقول اليمين على شيء
ماضي لا يبحث فيها عن الكفارة لأنه ليس فيها كفارة لكن إما أن يكون الحالف سالما وإما أن يكون آثما فإن كان كاذبا فهو آثم وإن كان صادقا فهو سالم اليمين على المستقبل هي التي فيها
الكفارة فإذا حلف الإنسان على شيء مستقبل وخالف ما حلف عليه وجبت عليه الكفارة إلا أن يقرن يمينه بمشيئة الله فيقول إن شاء الله فهذا لا كفارة عليه ولو خالف ولو خالف من أبي أمامة صدي بن
أجلان الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم واطيعوا أمراكم تدخلوا جنة ربكم راه
التلمذي في آخر كتاب الصلاة وقال حديث حسن صحيح بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله فيما نقله عن نبي أمامة الباهنية رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة
الوداع وكانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين راتبة وعارضة فأما الراتبة فهي خطبه في الجمع والأعياد فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس في كل جمعة وفي كل عيد واختلف العلماء
رحمهم الله في خطبة صلاة الكسوف هل هي راتبة أو عارضة وسبب اختلافهم أن الكسوف لم يقع في آهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة ولما صلى قام فخطب الناس عليه الصلاة والسلام فذهب
بعض العلماء إلى أنها من الخطب الراتبة وقال إن الأصل أن ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم فهو ثابت مستقر ولم يقع الكسوف مرة أخرى فيترك النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة حتى نقول إنها
من الخطب العارضة وقال بعض العلماء بل هي من الخطب العارضة التي إن كان لها ما يجعو إليها خطب وإلا فلا ولكن الأقرب أنها من الخطب الراتبة وأنه يسن للإنسان إذا صلى صلة الكسوف أن يقوم
فيخطب الناس ويذكرهم ويخوفهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أما الخطب العارضة فهي التي يخطبها عند الحاجة إليها مثل خطبته صلى الله عليه وسلم حينما اشترط أهل بريرة وهي جارية اشترتها
عائشة رضي الله عنها فاشترط أهلها أن يكون الولاء لهم ولكن عائشة رضي الله عنها لم تقبل بذلك فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال خذيها واشتريطي لهم الولاء ثم قام فخطب الناس وأخبرهم
أن الولاء لمن أعتق وكذلك خطبته حينما شفع أسامة بن زيد رضي الله عنه في المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتشحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها فأهم قريشا شأنها
فطلبوا من يشفع لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا من زيد بن تابت فطلبوا من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يشفع فشفع ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أتشفع في حج من حدود
الله ثم قام فخطب الناس وأخبرهم بأن الذي أهلك من كان قبلنا أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحج في حجة الوجاء خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم
عرفه وخطب يوم النحر ووعظ الناس وذكرهم وهذه خطبة من الخطب الرواتي التي يسن لقائد الحجيج أن يخطب الناس كما خطبهم النبي صلى الله عليه وسلم وكان من جملة ما ذكر في خطبته في حجة الوجاء
أنه قال أيها الناس اتقوا ربكم وهذا كقوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم فأمر النبي عليه الصلاة والسلام الناس جميعا أن يتقوا ربهم الذي خلقهم وعمدهم بنعمه وأعدهم لقبول رسالاته فأمرهم
أن يتقوا الله صلوا خمسكم يعني صلوا الصلاوات الخمس التي فرضها الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم وصموا شهركم يعني شهر رمضان وأدوا زكاة أموالكم يعني أعطوها مستحقها ولا تبخلوا
بها وأطيعوا أمراءكم يعني من جعلهم الله أمراء عليكم وهذا يشمل أمراء المناطق والبلدان ويشمل الأمير العام أمير الدولة كلها فإن الواجب على الرأية طاعتهم في غير ماصية الله أما في ماصية
الله فلا تجوز طاعتهم ولو أمروا بذلك لأن طاعة المخلوق لا تقدم على طاعة الخالق جل وعلا ولهذا قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فأطف طاعة
ولا تقلات الأمور على طاعة الله ورسوله وهذا يدل على أنها تابعة لأن المعطوف تابع للمعطوف عليه لا مستقل ولهذا تجدوا أن الله جل وعلا قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فأتى بالفعل ليتبين
بذلك أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم طاعة مستقلة يعني تجب طاعته استقلالا كما تجب طاعة الله ومع هذا فإن طاعته من طاعة الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بما يرضي الله
أما غيره من ولاة الأمور فإنهم قد يأمرون بغير ما يرضي الله ولهذا جعل طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله ولا يجد للإنسان أن يعصي ولاة الأمور في غير ماصية الله ويقول إن هذا ليس بدين لأن
بعض الجهال إذا نظلمت ولاة الأمور أنظمة لا تخالف الشرق قال لا لا يلزمني أن أقوم بهذه الأنظمة لأنها ليست في الشرق لا توجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله وهذا من جهله بل نقول إن امتثال
هذه الأنظمة موجود في كتاب الله وموجود في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا رسول وأولي الأمر منكم وقال النبي عليه الصلاة والسلام
في حديث كثيرة أمر بطاعة ولاة الأمور ومنها هذا الحديث فطاعة ولاة الأمور فيما ينظمونه مما لا يقالف أمر الله ورسوله مما أمر الله به ورسوله ولو كنا لا نطيع ولاة الأمور إلا بما أمر الله
به ورسوله لم يكن للأمر بطاعتهم فائدة لأن طاعة الله ورسوله مأمور بها سواء أمر بها ولاة الأمور أم لم يأمروا بها فهذه الأمور التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع تقوى
الله الصلوات الخمس الزكاة الصيام طاعة ولاة الأمور هذه من الأمور الهامة التي يجب على الإنسان أن يعتني بها وأن يمتثل أمر الله أمر رسول الله صلى الله وسلم فيها والله أعلم