54- شرح رياض الصالحين / باب الـتـقــوى / شرح الآيات-وحديث خيارهم في الجاهلية / بن عثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
بسم الله الرحمن الرحيم قال المالف رحمه الله تعالى باب التقوى قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق توقاته وقال الله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وهذه الآيات مبينة للمراد
من الأولى وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة وقال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزق من حيث لا يحتسب وقال تعالى
إن تتقوا الله يجعل لكم برقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم والآيات في الباب كثيرة معلومة بسم الله الرحمن الرحيم قال المالف رحمه الله تعالى باب التقوى التقوى
اسم مأخوذ من الوقاية وهي أن يتقل الإنسان ما يقيه من عذاب الله والذي يقيك من عذاب الله هو فعل أوامر الله واجتناب نواهيه فإن هذا هو الذي يقي من عذاب الله عز وجل أن تأخذ بأوامر الله
وأن تترك عنه وعلم أن التقوى تقرن أحيانا بالبر فيقال بر وتقوى كما في قوله تعالى وتعاون على البر والتقوى وتارة تذكر وحدها فإذا قرنت بالبر صار البر فعل الأوامر فعل الأوامر والتقوى ترك
النواهي وإذا أفردت صارت شاملة تعم فعل الأوامر واجتناب النواهي وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن الجنة أعدت للمتقين فأهل التقوى هم أهل الجنة جعلنا الله وإياكم منه ولذلك يجب على الإنسان
أن يتقي الله عز وجل انتثارا لأمره وطلبا لتوابه والنجاة من عقابه ثم ذكر مؤلف في هذا آيات متعددة منها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته فوجه الأمر إلى المؤمنين لأن
المؤمن يحمله إيمانه على تقوى الله وقال اتقوا الله حق تقاته وحق التقوى قال المؤلف رحمه الله تعالى معقبا هذه الآية بقوله فاتقوا الله ما استطعتم أي أن معنى قوله حق تقاته أن تتقي الله
ما استطعت لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعه وهذه الآية فاتقوا الله ما استطعتم ليست آية مقصد بها التهاوم في تقوى الله وإنما يقصد بها الحسر التقوى بقدر المستطاع يعني لا تتدخل وسعا في
تقوى الله ولكن الله لا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيع كما قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعه وقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم يستفاد منها أن الإنسان إذا لم يستطع أن يقوم بأمر الله
على وجه الكمال فإنه يأتي منه بما قدر عليه ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جم فرتب النبي عليه الصلاة والسلام
الصلاة بحسب الاستطاع يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جم وهكذا أيضا بقية الأوامر الصوم إذا لم يستطع نسانا يصوم في رمضان فإنه يأخره ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من
أيام أخرى في الحج أيضا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فإذا لم تستطع الوصول إلى البيت فلا حج عليك لكن إن كنت قادرا بمالك دون بدنك واجب عليك أن تقيم من يحج عنك ويعتمر
عنك الحاصل أن التقوى كغيرها منوضة بالاستطاع فمن لم يستطع شيئا من أوامر الله فإنه يعدل إلى ما يستطيع ومن اضطر إلى شيء من محارم الله حل له ما ينتفع به في دفع الضرورة لقوله تعالى وقد
فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطرتم إليه حتى إن الرجل لو اضطر إلى أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزين أو أكل لحم الحمار أو غير ذلك من الحرمات فإنه يجوز له أن يأكل من ما تندفع به
ضرورته فهذه يتقوى الله أن تفعل أوامره ما استطعت وأن تتجنب نواهيه ما استطعت وقال تالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا والآيات في الأمر بالتقوا كثيرة معلومة وقال
تالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزق من حيث لا يحتسب وقال تالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سياتكم ويغفر لكم الله بالفضل العظيم والآيات في الباب كثيرة معلومة قال
المؤلف رحمه الله تعالى وهو يسوق الآيات أو بعضا من آيات التقوى في فوائدها وحكمها تقدمنا كلامه على آيتين من آيات الله وهي قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته وقوله
تعالى فاتقوا الله ما استطعت ثم ساق المؤلف الآية الثالثة الآية الثالثة وهي قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم فأمر الله
تعالى بأمري بتقوى الله وأن يقول الإنسان قولا سديدا أي صوابا وقد سبق الكلام على التقوى وأنها فعل أوامر الله اجتناب نواهيد أما القول السديد فهو القول الصواب وهو يشمل كل قول فيه خير
سواء كان من ذكر الله أو من طلب العلم أو من الأمر بالمعروف وأنه عن منكر أو من الكلام الحسن الذي يستجلب به الإنسان مودة الناس ومحبتهم أو غير ذلك وغير ذلك يجمعه قول النبي صلى الله
عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصد وضد ذلك القول غير السديد وهو القول الذي ليس بصواب بل خطأ إما في موضوعه وإما في محله إما في موضوعه بأن يكون كلاما فاحشا
يشتمل على السب والشتم والغيبة والنميمة وما أشبه ذلك أو في محله يعني بأن يكون هذا القول في نفسه هو خير لكن كونه يقال في هذا المكان ليس بخير لأن لكل مقام مقال فإذا قلت كلاما هو في
نفسه ليس بشر لكنه يسبب شرا إذا قلته في هذا المحل فلا تقل لأن هذا ليس بقول سديد بل هو قول خطأ وإن كان هو ليس حراما فمثلا لو فرض أن شخصا رأى إنسانا على منكر ونهاه عن المنكر لكن نهاه
في حال لا ينبغي أن يقول له فيها شيئا أو أغلظ له في القول أو ما أشبه ذلك لعد هذا قولا غير سديد فإذا قال الإنسان فإذا اتقى الإنسان ربه وقال قولا سديدا حصل على فائدتين يصلح لكم
أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم فبالتقوى صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وعلم من هذه الآية أن من لم يتق الله ويقول قولا سديدا فإنه حري بأن لا يصلح
الله له أعماله ولا يغفر له ذنبه ففيه الحس على تقوى الله وبيان فوائدها وقال تعالى وهي آية الرابعة ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب من يتق الله يعني يفعل ما أمر به
ويترك ما نهى عنه يجعل له مخرجا مخرجا من أي شيء من كل ضيق كل ما ضاق عليه الشيء وهو متق الله عز وجل جعل له مخرجا سواء كان ذلك في معيشة أو في أموال أو في أولاد أو في مجتمع أو غير ذلك
متى كنت متقيا لله فاثق بأن الله سيجعل لك مخرجا من كل ضيق واعتمد ذلك لأنه قول من يقول للشيء كن فيكون من يتق الله يجعل له مخرجا وما أكثر الذين اتقوا الله فجعل لهم مخرجا من ذلك قصة
الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار نزلت صخرة على باب الغار فسدته فأراجوا أن يزيحوها فعجزا فتوسل كل منهم بصالح أعماله إلى الله عز وجل ففرج الله عنهم وزال في الصخرة تعال الله لهم مخرجا
والأمثلة على هذا كثيرا ومن يتق الله لهم مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب هذا أيضا فائدة عظيمة أن الله يرزقك من حيث لا تحتسب فمثلا لو فرضنا أن رجلا يكتسب المال عن طريق محرم كطريق الغش
أو الربع وما أشبه ذلك ونصح في هذا وتركه لله فإن الله سيجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ولكن لا تتعجل لا تظن أن الأمر إذا تأخر فلن يكون قد يبتلي الله العبد فيؤخر عنه الثواب
ليختبره هل يرجع إلى الذنب أو لا يرجع فمثل إذا كنت تعامل بالربع ووعظك من يعظك من الناس وتركت ذلك ولكنك بقيت شهرا أو شهرين ما وجدت ربحا لا تيأس لا تقول أين الهزمة هذا الابس انتظر ثق
بوعية الله وصدق بوعية الله وستجدوه لا تتعجل ولهذا جاء في الحديث يستجاب لأحدكم يعني إذا دعا ما لم يعجل قالوا كيف يعجل يا رسول الله قال يقول دعوت ثم دعوت ثم دعوت فلم يستجاب لي اترك
ما حرم عليك وانتظر الفرج والرزق من حيث لا تحتسب والله مرسل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله من أكرم الناس قال أتقاهم فقالوا ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبي الله ابن
خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادل العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقه متفق عليه وفقه بضم القاف على المشهور وحكي كسرها أي علموا أحكام الشرع قدمنا
الكلام على الآيات التي ساقها المؤلف رحمه الله في تقوى الله عز وجل ثم ذكر حق إثاب هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل من أكرم الناس فقال أتقاهم يعني أن أكرم الناس
أتقاهم لله وهذا الجواب مطابق تماما لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الناس من حيث النسب ولا من حيث الحسب ولا من حيث المال ولا من حيث الجمال وإنما ينظر
سبحانه وتعالى إلى الأعمال فأكرم الناس عنده أتقاهم له ولهذا يمد أهل التقوى بما يمدهم به من الكرامات الظاهرة أو الباطعة لأنهم أكرموا خلقه عنده ففي هذا حث على تقوى الله عز وجل وأنه
كلما كان الإنسان أتقى لله فهو أكرم عنده ولكن الصحابة لا يريدون بهذا السؤال لا يريدون الأكرم عند الله قالوا لسنا عن هذا نسألك ثم ذكر لهم أن أكرم الخلق يوسف ابن نبي الله ابن خليل
الله يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن براهي فإنه عليه الصلاة والسلام كان نبيا من سلالة الأنبياء فكان من أكرم الخلق فقالوا لسنا عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني معادن يعني
أصولهم يعني أصولهم وأنسابهم خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقه يعني أن أكرم الناس من حيث النسب والمعادن والأصول هم الخيار في الجاهلية لكن بشرط إذا فقه فمثلا من المعروف أن
بني هاشم هم خيار قريش فيكونهم خيارهم في الإسلام لكن بشرط أن يفقهوا في دين الله وأن يتعلموا من دين الله فإن لم يكونوا فقهاء فإنهم وإن كانوا من خيار العرب معدنا فإنهم ليسوا أكرم
الخلق عند الله وليسوا خيار الخلق ففي هذا دليل على أن الإنسان يشعب بنسبه لكن بشرط أن يكون لديه فقه في دينه وهذا لا شك فيه أن النسب له أثر ولهذا كان بن هاشم أطيب الناس نسبا وأشرفهم
نسبا ومن ثم كان منهم نبي الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أشرف الخلق والله أعلم حيث يجعل رسالته فلولا أن هذا البطن من بني آدم أشرف البطون ما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم لا يبات
النبي صلى الله عليه وسلم إلا في أشرف البطون وأعلى الأنساب والشاهد من هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم إن أكرم الخلق أطفعهم لله فإذا كنت تريد أن تكون كريم عند الله ولا منزلة
عنده فعليك بالتقوى فكلما كان الإنسان لله أتقى كان عنده أكرم أسأل الله أن يجعلني وإياكم المتقين اللهم صلى الله عليه وسلم