52- شرح رياض الصالحين / باب المراقبة / حديث جبريل-الإيمان بالقدر / بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فقد انتهى بنا الكلام على حديث عمر بن خطار رضي الله عنه في مجيء جبريل إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله عن الإسلام والإحسان والساعة وأشراطه انتهى بنا الكلام إلى الركن السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقدر خيره وشره القدر هو تقدير الله سبحانه
وتعالى لما يكون إلى يوم القيامة وذلك أن الله سبحانه وتعالى خلق القلم فقال له اكتب قال ربي وماذا اكتب قال اكتب ما هو كائن فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب
الإنسان لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وقد ذكر الله هذا في كتابه إجمالا فقال ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير وقال تعالى ما أصاب
من نصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير من قبل أن نبرأها أي من قبل أن نخلقها أي من قبل أن نخلق الأرض من قبل أن نخلق أنفسكم من قبل أن نخلق
المصيبة فإن الله كتب هذا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال أهل العلم ولابد للإيمان بالقدر من أن تؤمن بكل مراتبه الأربع المرتبة الأولى أن تؤمن بأن الله تعالى عليم بكل شيء
وهذا كثير في الكتاب العظيم يذكر الله عز وجل عموم علمه بكل شيء كما قال تعالى لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمه ولقوله تعالى وعنده مفاتع الغيب لا يعلمها
إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا ككتاب مفين والمرتبة الثانية أن تؤمن بأن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى قيام
الساعة كتبه قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كل شيء كاعن فإنه مكتوب قد انتهي منه جفت الأقلام وطوية الصحف كما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك إذا أصابك شيء لا تقوى
الله لو أني فعلت ما أصابك لأن هذا شيء منتهي تختوب لا بد أن يقع كما كتب الله سبحانه وتعالى لا مفر لك منه مهما عملت فالأمر سيكون على ما وقع لا يتغير أبدا لأن هذا أمر قد كتب فإن قال
قائل ألم يكن قد جاء في الحديث من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصر رحمه فالجواب لا جاء هذا ولكن الإنسان الذي قد نسأ له في أثره وينسأ له في رزقه من أجل الصلة قد كتب ذلك
له كتب أنه سيصل رحمه وأنه سيبسط له في الرزق وأنه سيبسط له في الأثر لا بد أن يكون أمر هاكر ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره من أجل أن
نبادر ونسارع إلى صلة الرحمة وإلا فهو مكتوب مكتوب أن هذا الرجل سوف يصل رحمه وسيحصل له هذا السوار وأنه لن يصل رحمه وسيحرم من هذا السوار أمر منتهي لكن أخبرنا الرسول عليه الصلاة
والسلام بهذا من أجل أن نحرص على أصلة الرحمة واعلم أن الكتابة في الأرض المحفوظ لها يعقبها كتابات أخرى منها أن الجنين في بطن أمه إذا تم له أربعة أشهر أرسل الله إليه ملكا موكلا
بالأرحام فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب ذق وأجل وعمل وشقي أو سعيد وهذه الكتابة غير كتابة التي في الأرض المحفوظ هذه كتابة في مقتبل عمر الإنسان ولهذا يسميها العلماء الكتابة
العمرية يعني نسبة للعمر إذا تم له أربعة أشهر يعني نسبة لأشهر يعني مائة وعشرون يوما ولهذا تجد الجنين الحمل في البطن إذا تم له أربعة أشهر بدأ يتحرك لأنه دخل فيه الروح وقبل ذلك هو قطع
من اللحن كذلك في الكتابة أخرى تكون في كل سنة في ليلة القدر فإن ليلة القدر يكتب الله فيها ما يكون في تلك السنة كما قال تعالى إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل
أمر حكيم يعني يفرق يبين ويفصل ولهذا سميت ليلة القدر المرتبة الثالثة للإيمان بالقدر أن تؤمن بأن كل شيء فهو بمشيئة الله كل شيء يقع فإنه بمشيئة الله لا يخرج عن مشيئته شيء ولا فرق بين
أن يكون هذا الواقع مما يختص الله به كإنزال المطر وإحياء الموتى وما أشبه ذلك أو مما يعمله الخلق فالصلاة والصيام ما أشبهها فكل هذا بمشيئة الله قال الله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم
وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقال تعالى ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كبر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن
الله يفعل ما يريد فبيّن سبحانه وتعالى أنه لا مشيئة لنا إلا بمشيئة الله وأن أفعالنا واقعة بمشيئة الله ولو شاء الله ما اقتتلوا كل شيء فإنه واقع بمشيئة الله لا يكون في ملكه ما لا
يشاؤه أبدا ولهذا أجمع المسلمون على هذه الكلمة العظيمة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أما المرتبة الرابعة فهي الإيمان بأن كل شيء مخلوق لله لقول الله تبارك وتعالى الله خالق كل شيء
وهو على كل شيء قدير وهو على كل شيء وكيل وقال تعالى وخلق كل شيء فقدره تقديرا فكل شيء واقع فإنه مخلوق لله عز وجل الإنسان مخلوق لله عمل الإنسان مخلوق لله قال الله تعالى عن إبراهيم وهو
يقاضب قومه والله خلقكم وما تعملون ففعل العبد مخلوق لله لكن المباشر للفعل هو العبد وليس الله لكن الله هو الذي خلق هذا الفعل ففعله العبد فهو منسوب لله خلقا ومنسوب إلى العبد كسبا
وفعلا فالفاعل هو العبد والكاسب هو العبد والخالق هو الله كل شيء فإنه مما يحدث فإنه مخلوق لله عز وجل لكن ما كان من صفات الله فليس بمخلوق فالقرآن مثلا أنزله الله على محمد صلى الله
عليه وسلم لكنه ليس بمخلوق لأن القرآن كلام الله وكلام الله صفة من صفاته وصفات الله تعالى ليست بمخلوق مخلوقه هذه أمور أربع بل هذه مراتب أربع للإيمان بالقدر الأولى الإيمان بعلم الله
المحيط الشامل لكل شيء الثاني الإيمان بكتابة الله أن الله كتب في اللوحة المحفوظة كل شيء وهناك كتابات أخر بي أن تؤمنها شيئا الثالث أن كل شيء واقع من الشيئة الله عز وجل الرابع أن كل
شيء واقع فهو مخلوق لله تبارك وتعالى لابد أن تؤمن بهذه الأمور الأربعة وإن لم تؤمن بها كلها فإنك لم تؤمن بالقدر فائدة الإيمان بالقدر عظيمة جدا لأن الإنسان يستريح إذا علم أن كل شيء
لابد أن يقع كما أراد الله استراح فإذا أصيب بضراء صبر وقال هذا من عند الله وإن أصيب بسراء شكر وقال هذا من عند الله وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عجبا لأمر المؤمن إن
عمره كله خير إن أصابته سراء صبر إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء وصبر فكان خيرا له لأن المؤمن يؤمن أن كل شيء لقضاء الله فيكون دائما في سراء دائما في الشراح لأنه يعلم
أن ما أصابه فإنه من الله إن كان ضراء صبر وانتظر فرج من الله ولجأ إلى الله تعالى في كشف هذه الضراء وإن كان سراء شكر وحمل الله وعلم أن ذلك لم يكن بحوله وقوته ولكنه بقضل الله ورحمته
والله مرحب والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فإننا في آخر ركن من أركان الإيمان التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله
الإيمان أن تؤمن بالله وملائفته وكتبه ورصده واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره وذكرنا أن الإيمان بالقدر لا بد فيه من الإيمان بمراتب أربع الإيمان بعلم الله والإيمان بكتابة الله والإيمان
بمشيئة الله والإيمان بخلق الله وقوله عليه الصلاة والسلام خيره وشره الخيره ومن ينتفع به الإنسان ويلائمه من علم نافع ومال واسع طيب وصحة وأهل وبنين وما أشبه ذلك والشر ضد ذلك من الجهل
والفقر والمرض وفقدان الأهل والأولاد وما أشبه هذا فكل هذا من الله عز وجل كل هذا من الله سبحانه وتعالى لا الخير ولا الشر فإن الله سبحانه وتعالى يقدر الخير لحكمه ويقدر الشر لحكمه كما
قال تعالى وَنَبْلُوْكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةِ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ فإذا علم الله أن من الخير والحكمة أن يقدر الشر قدره لما يترتب عليه من المصالح العظيمة كقوله تعالى
ظهر الفساد في البر والبحر فيما كسب تعيد الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعوه فإذا قال قائل كيف تجمع بين قول النبي عليه الصلاة والسلام تؤمن بالقدر خيره وشره وقوله صلى الله عليه
وسلم والشر ليس إليك فنفى أن يكون الشر إليه فالجواب على هذا أن نقول إن الشر المحف لا يكون بفعل الله أبدا الشر المحف الذي ليس فيه خير لا حال ولا مآلا هذا لا يمكن أن يوجد فيه فعل الله
أبدا هذا من وجه لأنه حتى الشر الذي قدره الله شرا لا بد أن يكون له عاقبة الحميدة ويكون شرا على قوم وخيرا على آخرين أرأيت لو أنزل الله مطر مطرا كثيرا فأغرق الزرع الإنسان لكنه نفع
الأرض وانتفع به أمة لكان هذا خيرا بالنسبة لمن انتفع به شرا بالنسبة لمن تضرر به فهو خير من وجه وشر من وجه ثانيا حتى الشر الذي يقدره الله على الإنسان هو خير بالحقيقة لأنه إذا صبر
واحتسب الأجر من الله نال بذلك أجرا أكثر بأضعاف مضاعفة مما ناله من الشر ولهذا ذكر عن بعض العابدات أنه أصيبت في أصبعها أو يدها فانجرحت فصبرت شكرت الله على هذا وقالت إن حلاوة أجرها
أنستني مرارة صبر ثم نقول إن الشر في الحقيقة ليس في فعل الله نفسه بل في مفعولاته المفعولات هي التي فيها خير وشر أما الفعل نفسه فهو خير ولهذا قال الله تعالى قل أعوذ برب الفدق من شر
ما خلق أي من شر الذي خلقه الله فالشر إنما يكون في المفعولات لا في الفعل نفسه أما فعل الله فهو خير ويدلك لهذا أنك لو كان عندك مريض وقيل له إن من شفائه أن تكويه في النار فكويته
بالنار فالنار مؤلمة لا شك لكن فعلك هذا ليس بشر خير للمريض لأنك إنما تنتظر عاقبة حميدة بهذا الكي كذلك فعل الله للأشياء المكروهة والأشياء التي فيها شر هي بالنسبة لفعله وإيجاده خير
لأنه يترتب عليها خير كثير فإن قال قائل كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك فالجواب أن نقول ما أصابك من حسنة فمن الله يعني من فضله
هو الذي من عليك بها أولا وآخرا وما أصابك من سيئة فمن نفسك يعني أنت سببها أنت السبب وإلا فالذي قدرها هو الله لكن أنت السبب كما في قوله تعالى وما أصابك من المصيبة فبما كسبت أيديكم
ويعفو عن كثير وخلاصة الكلام أن كل شيء واقع فإنه بقدر الله سواء كان خيرا أم شرا فأما الخير فأمره واضح وجهه واضح أنه من الله وأما الشر فإننا نقول إن الشر ليس في فعل الله ولكن في
مفعولاته ونقول أيضا هذه المفعولات التي فيها الشر قد تكون خيرا من وجه آخر إما للشخص المصاب بها نفسه وإما لغيره فمثلا إذا نزل المطر وأتلف زرع الإنسان ولكنه نفع الأمة فهنا صار شرا على
شخص ولكنه خير كثير بالنسبة للآخرين أو نقول أيضا هو خير شر لك من وجه وخير لك من وجه آخر لأن هذا الشر الذي أصابك لك فيه أجر كثير وربما يكون سببا لاستقامتك ولمعرفتك قدر نعمة الله عليك
فتكون العاقبة حميدة والله مرفق