23- شرح رياض الصالحين / باب الصدق/الصدق يهدي إلى البر- دع مايريبك / بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن
الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذبا متفق عليه بسم الله الرحمن الرحيم هذا الباب عقله مؤلف رحمه الله للصدق فقال باب الصدق وذكر آيات سبق الكلام عليها أما
الحديث فقال عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة عليكم بالصدق أيلزموا الصدق والصدق مطابقة
الخبر للواقع يعني أن تخبر بشيء فيكون الخبر مطابقا للواقع مثال ذلك إذا قلت لمن سألك أي يوم هذا فقلت اليوم يوم الأربعاء هذا صدق ولو قلت اليوم يوم الثلاثة لكان كذبا فالصدق مطابقة
الخبر للواقع وقد سبق في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبين ما يدل على فضيلة الصدق وحسن عاقبته وأن الصادق هو الذي له العاقبة والكاذب هو الذي يكون عمله هباعا ولهذا يذكر النباض
العامة قال إن الكذب ينجي فقال له أخوه الصدق أنجى وأنجى وهذا صحيح وعلم أن الخبر يكون باللسان ويكون بالأركان أما باللسان فهو القوم وأما بالأركان فهو الفعل ولكن كيف يكون الكذب بالفعل
إذا فعل الإنسان خلاف ما يبطن فهذا قد كذب بفعله فالمنافق مثلا كاذب لأنه يظهر للناس أنه مؤمن يصلي مع الناس ويصوم مع الناس ويتصدق ولكنه بخيل وربما يحج فمن رأى أفعاله حكم عليه بالصلاح
ولكن هذه الأفعال لا تنبئ عما في الباطن فهي كذب ولهذا نقول الصدق يكون باللسان ويكون بالأركان فمتى طابق الحضر الواقع فهو صدق ويكون باللسان ومتى طابقت أعمال الجوارئ ما في القلب فهي
صدق وهذا صدق بالأفعال ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر بالصدق بين عاقبتهم قال فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة البر كثرة الخير ومنه من أسماء الله البر أي
كثير الخير والإحسان عز وجل فالبر يعني كثرة الخير وهو من نتائج الصدق وإن البر يهدي إلى الجنة فصاحب البر نسأل الله يا جنويكم منهم هذا يهديه بره إلى الجنة والجنة هي غاية كل مطلع لو
سألك أي إنسان لماذا تعمل صالحاً قال للجنة نعم ولهذا يؤمر الإنسان أن يسأل الله الجنة ويسعيد به من النار فمن زحزه عن النار وأدخل الجنة فقد فاس وما الحياة الدنيا إلا متى الغروب ثم قال
وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وفي رواية ولا يزال الرجل يصدق ويتحر الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً أتدرون ما الصديق؟
الصديق في المرتبة الثانية من مراتب الخلق الذين أنعم الله عليهم كما قال الله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
فالرجل الذي يتحر الصدق يكتب عند الله صديقاً ومعلوم أن الصديقية درجة عظيمة لا ينالها إلا أفذاذ من الناس وتكون في الرجال وتكون في النساء قال الله تعالى ما المسيح مريم إلا رسول قد خلت
من قبله الرسل وأمه صديقة وأفضل الصديقين على الإطلاق أصدقهم وهو أبو بكر رضي الله عنه عبد الله بن عثمان بن أبي قحافح الذي تجاب للنبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام ولم يحصل
عنده أي تردد وأي توقف بمجرد ما دعاه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام أسلم وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين كذبه قومه صدقه حين تحدث عن الإسراء والمعراج وكذبه الناس وقالوا كيف
تذهب يا محمد من مكة إلى بيت المقجز وترجع في ليلة واحدة ثم تقول إنك صعدت إلى السماء هذا لا يمكن ثم ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا لهما أما تسمع ما قال صاحبك؟
قال ماذا قال؟
قالوا إنهم قال كذا وكذا وكذا قال إن كان قد قال ذلك فقد صدق فمن ذلك اليوم سمي الصديق رضي الله عنه أما الكذب فقال النبي صلى الله عليه وسلم وإياكم والكذب إياكم هذه التحذير يعني احذروا
الكذب والكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل فإذا قال لك قال ما اليوم فقلت اليوم يوم الصميس أو يوم الثلاثة فهذا كذب لأنه لا يطابق الواقع والمنافق كاذب لأن
ظاهره يدل على أنه مسلم وهو كافر فهو كاذب بفعله إياكم الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور الفجور الخروج عن طاعة الله لأن الإنسان ينشق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله إلى معصيته وأعظم
الفجور الكفر والعياذ بالله فإن الكفر فجر كما قال تعالى أولئك هم الكفرة الفجر وقال تعالى كلا إن كتاب الفجار لا في سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون
بيوم الدين وقال تعالى كلا إن كتاب الفجار لا في سجين إن الفجار لا في جحين فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار نعوذ بالله منها وإن الرجل لا يكذب وفي لفظ ولا يزال الرجل يكذب
ويتحر الكذب حتى يكتب عند الله كذابة وهذا والعياذ بالله الكذب من الأمور المحرمة بل قال بعض العلماء إنه من كبائر الذنوب لأن رسول صلى الله عليه وسلم توعده بأنه يكتب عند الله كذابا ومن
أعظم الكذب ما يفعله بعض الناس اليوم يأتي بالمقالة كاذبا يعلم أنها كذب لكن من أجل أن يضحك الناس وقد جاء في الحديث الوعيد على هذا ويل لمن حدث فكذبا ليضحك به القوم ويل له ثم ويل له
وهذا وعيد على أمر سهل عند كثير من الناس فالكذب كله حرام كله يهدي إلى الفجور ولا يستثنى منه شيء ورد في الحديث أنه يستثنى من ذلك ثلاثة أشياء في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث المرأة
زوجها وحديثه إياه ولكن بعض أهل العلم قال إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية وليس الكذب الصريح قال والتورية قد تسمى كذبا كما في حديث إبراهيم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال إنه
كذب ثلاثة كذبات وهو لم يكذب وإنما ورى تورية هو فيها صادق وسواء كان هذا أو هذا فإن الكذب لا يجوز إلا في هذه الثلاث على رأيه كثير من أهل العلم وبعض منهم يقول الكذب لا يجوز مطلقا لا
مزحا ولا جدا ولا إذا تضمن أكل مال أو لا وأشد شيء من الكذب أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس بالفاطر مثل أن يدعى عليه بحق عليه ثابت فيمكن ويقول ويقول والله ما لك علي حق أو يدعي ما ليس
له فيقول لي عندك كذا وكذا وهو كذب فهذا إذا حلف على دعواه وكذب فإن ذلك هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار وتبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من حلف
على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها ما لم رئ مسلم لقي الله وهو عليه الغضباء فالحاصل أن الكلم حرام ولا يجوز الإنسان أن أكل لا هازلا ولا جدا إلا في المسائل الثلاث على خلاف بين العلماء في
معنى الحديث الوارد فيها والله أعلم ابن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدقة مأمينة والكذب ريبة رواه
الترمذي وقال حديث صحيح بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في باب الصدق قال حفظت من رسول الله صلى الله
عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك دعا بما نترك ويريبك في فتح الياء أي تشك فيه ولا تطمئن إليه إلى ما لا يريبك يعني إلى الشيء الذي لا ريب فيه وهذا الحديث من أحاديث الأربعين
النووية حديث جامع مهم وهو باب عظيم من أبواب الوراء والاحتياط وقد سلك أهل العن رحمهم الله في أبواب الفقه سلكوا هذا المسلك وهو الأخذ بجانب الاحتياط وذكروا لذلك أشياء كثيرة منها مثلا
إنسان أصاب ثوبه نجاس ولا يدري هل هي في مقدم الثوب أو في مؤخره إن غسل المقدم صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مؤخر الثوب وإن غسل المؤخر صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مقدم الثوب
فما هو الاحتياط الاحتياط أن يغسل مقدمه ومؤخره حتى تزول ريبته ويطمئنه كذلك أيضا لو شك الإنسان في صلاةه حل صلاة ركعتين أو ثلاث ركعات ولم يترجح عنده شيء فهنا إن أخذ بركعتين صار عنده
ريبة فلعله نقص وإن أخذ بالثلاث صار عنده ريبة فلعله لم ينقص لكن يبقى قلقا فماذا يعمل يعمل بما لا ريبة فيه فيعمل بالأقل فإذا شك هل هي ثلاثة أو أربع فليجعلها ثلاثة هل هي ثلاثة أو
اثنتان فليجعلها ثنتين وهكذا المهم أن هذا الحديث أصل من أصول الفقه أن الشيء الذي تشك فيه أترك إلى شيء لا شك فيه ثم إن فيه تربية نفسية وهي أن الإنسان يكون في طمأنينه ليس في قلق لأن
كثيرا من الناس إذا أخذ ما يشك فيه يكون عنده قلق إذا كان حي القلب يكون جائم يفكر هوجس لعلي فعلت ركس فإذا قطع الشك باليقين زال عنه ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام فإن الصدق طمأنينة
وهذا وشف شاهد من هذا الحديث لهذا البعث البعب الصدق الصدق طمأنينة لا يندم صاحبه أبدا إذا أخبر الإنسان بالصدق لا يندم ولا يقول ليتني وليتني لأن الصدق من جات والصادقون ينجيهم الله
تعالى بصدقه وتجد الصادق دائما مطمئنا لأنه لا يتأسف على شيء حصل أو شيء يحصل في المستقبل لأنه قد صدق ومن صدق نجع أما الكذب فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه ريبة ولهذا تجد أول من
يرتاب في الكاذب نفسه نفس الكاذب يرتاب هل يصدقه الناس أولا يصدقونه ولهذا تجد الكاذب إذا أخبرك بالخبر قام يحلف حلف بالله أنه رصد لأن لا ترتاب في خبره مع أنه محل ريبة فتجد المنافقون
مثلا يحلفون بالله ما قال ولكنهم في ريبة قال الله تعالى وَلَقَدْ قَالُوا كَلْمَةَ الْكُفُرُ وَكَفَرُوا بَعْدْ إِسْلَامِهِ وَهُمُّوا بِمَا لِمِنَاهِ فالكذب لا شك أنه ريبة قلق للإنسان
يرتاب الإنسان هل علم الناس بكذب أم لم يعلمه فلا يزال في شك واضطراب إذن نأخذ من هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يدع الكذب إلى الصدق لأن الكذب ريبة والصدق طمأنينة وقد قال النبي
عليه الصلاة والسلام دعم يريبك إذا ما لا يريبك والله ما خفر