18- شرح رياض الصالحين / باب الصبر/تكفير الخطايا بالمصائب-عدم تمني الموت بسبب المصائب / بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

سعيد وابي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه متفق عليه وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا قال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم قلت ذلك أن لك أجرين قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أداء شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته وحطت عنه جنوبه كما تحط الشجرة ورقها متفق عليه مستفق عليه الرحمن الرحيم هذا الحديثان حديث أبي فريرة وأبي سعيد وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الأجمعين فيها دليل بل فيهما دليل على أن الإنسان يكفر عنه بما يصيبه من الهم والنصب والغم وغير ذلك وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى يبتلي سبحانه وتعالى عبده بالمصائب وتكون تكثيرا لسيئاته وحطا لذنوبه والإنسان في هذه الجنية لا يمكن أن يبقى مسبوعا دائما بل هو يوم سر ويوم يحزن ويوم يأتيه شيء ويوم لا يأتيه فهو مصاب بمصائب في نفسه ومصائب في بدنه ومصائب في مجتمعه ومصائب في أهله ولا تفصل مصائب التي تصيب الإنسان ولكن المؤمن أمره كله خير إن أصابته ضراء صدر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له فإذا أصبت بالمصيفة فلا تظن أن هذا الهم الذي يأتيه أو هذا الألم الذي يأتيه ولو كان شوكه لا تظن أنه يذهب سجن بل ستعوض عنه خير منه ستحط عنك الذنوب كما تحط الشجرة ورقها وهذا من نعمة الله وإذا زاد الإنسان على ذلك الصبر والاحتساب يعني احتساب الأجر كان له مع هذا أجر فالمصائب تكون على وجهي تارة إذا أصيب الإنسان تذكر الأجر واحتسب هذه المصيبة على الله فيكون فيها فائدة تكفير الذنوب وزيادة الحسنات وتارة يغفل عن هذا يضيق صدره يصيب وأصبعه جره أو ما أشبه ذلك ويغفل عن نية الاحتساب احتساب الأجر والثوب على الله فيكون في ذلك تكفير لسيئاته إذن هو رابح على كل حال في هذه المصائب التي تأتيه رابح بكل حال فإما أن يربح تكفير السيئات وحط الذنوب بدون أن يحصل له أجر لأنه لم ينوي شيئا ولم يحتس بالأجر وإما أن يربح شيئا تكفير السيئات وحصول الثواب من الله عز وجل لهذا ينبغي للإنسان إذا أصيب ولو بشوكة تبطه فليتذكر الاحتساب الاحتساب الأجر من الله سبحانه وتعالى على هذه المصيبة حتى يجرى عليها مع تكفيرها للذنوب وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى وجوده وكرمه الذي يبتل المؤمن ثم يثيبه على هذه البلوى أو يكفر عنه سيئاته فالحمد لله رب العالمين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرج الله به خيرا يصب منه رواه البخاري وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموتر ذر أصابه فإن كان لابد فائلا فليقل اللهم أحلي ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي متفق عليه نقل المؤلف رحمه الله في باب الصبر والثواب عليه حديثين أحدهما عن أبي هريرة والثاني عن نس بن مالك رضي الله عنه في ثواب الصبر والاحتساب وأن الإنسان ينبغي له بل يجب عليه أن نصبر ويتحمل أما حديث أبي هريرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يريد الله به خيرا يصب منه وقرأت هذه الكلمة بوجهي يصب منه أو يصب منه وكلاهما صحيح أما يصب منه فالمعنى أن الله تعالى يقدر عليه المصائب حتى يبتليه بها أيصبر أم يضجر وأما يصب منه فهي أعم يعني يصاب من الله ومن غيره ولكن هذا الحديث المطلق مقيد بالأحاديث الأسرى التي تدل على أن المراد من يريد الله به خيرا فيصبر ويحتسب فيصيب الله منه حتى يبلوه أما إذا لم يصبر فإنه قد يصاب الإنسان ببلايا كثيرة وليس فيه خير ولم يريد الله به خيرا فالكفار يصابون بمصائب كثيرة ومع ذلك يبقون على كفرهم حتى يموت عليه وهؤلاء بلا شك لم يريد الله به خيرا لكن المراد من يريد الله به خيرا فيصيب منه فيصبر على هذه المصائب فإن ذلك من الخير له لأنه سبق أن المصائب يكفر الله بها الذنوب ويحط بها الخطايا ومن المعلوم أن تكفر الذنوب والسيئات وحق الخطايا لا شك أنه خير للإنسان لأن المصائب غاية ما فيها أنها مصائب جنوية تزول بالأيام كلما مدت الأيام خفت عليك المصيبة لكن عذاب الآخرة داقي والعياذ بالله فإذا كفر الله عنك بهذه المصائب صار ذلك خيرا لك أما الثاني فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتمنى الإنسان الموت لضر نزل به وذلك أن الإنسان ربما ينزل به ضر يعجز عن التحمل ويتعب فيتمنى الموت يقول يا ربي أمثل سواء قال ذلك بلسانه أو بقلبه فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال لا يتمنى أن أحدكم موت لضر نزل به فقد يكون هذا خيرا له ولكن إذا أصبت بضر فقل اللهم أعني على الصبر عليه حتى يعينك الله فتصبر ويكون ذلك لك خيرا أما أنت تمنى الموت فأنت لا تدري ربما يكون الموت شرا عليك لا يحصر به راحة ليس كل موت راحة كما قال الشاعر ليس من مات فاستراحة بميته الإنسان يموت ربما يموت فيموت إلى عقوبة والعياذ بالله وإلى عذاب قبر وإذا بقي في الدنيا فربما يستعتب ويتوب ويرجع إلى الله فأكون خيرا له المهم أنه إذا نزل بك الضر فلا تتمنى الموت وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتمنى الإنسان الموت للضر الذي نزل به فكيف بمن يقتل نفسه إذا نزل به الضر كما يوجد من بعض الحمقى الذين إذا نزلت بهم المضائر خنقوا عنفسهم أو نحروها أو أكلوا ثمًا أو ما أشبه ذلك فإن هؤلاء ارتحلوا من عذاب إلى أشد منه لم يستريفوا لكن انتقلوا من عذاب إلى أشد لأن الذي يقتل نفسه يعذب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا كما جاء ذلك عن نبي صلى الله عليه وسلم إن قتل نفسه بحديدة خنجر سكين نسماء غير ذلك فإنه يوم القيامة في جهنم يطع عين نفسه بهذه الحديدة التي قتل نفسه فيها بها إن قتل نفسه بثم فإنه يتحساه في نار جهنم إن قتل نفسه بالتغدي من جبل فإنه ينصب له جبل في جهنم يتدحضر منه أبد الآبدين وهلما جر فأقول إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتمنى الإنسان الموت للضر الذي نزل به فإن أعظم من ذلك أن يقتل الإنسان نفسه ويبادر الله بنفسه نسأل الله العافية ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما نهى عن شيء كان من عادته إذا كان له بدين من المباح أن يذكر بديله من المباح اقتداء بالرب عز وجل قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا لما نهى الله عن هذه الكلمة راعنا بيّن لنا الكلمة المباح قال وقول انظرنا ولما شيئ للنبي عليه الصلاة والسلام بتمر جيد استنكر وقال ما هذا أكل خيبر تمره هكذا قالوا لا لكن نشر الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة قال لا تفعل لكن بيع التمر يعني الرديء بالدراهم واشتري بالدراهم جنيبا يعني تمرا طيبا فلما منعه بيّن له الوجه المباح هنا قال لا يتمنين أحدكم الموت لذر نزل به فإن كان لابد فاعلا خليقوا اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرا وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا هتح لك الباب لكنه باب سليم لأنك من الموت يذل على ضجل الإنسان وعدل صبر على قضاء الله لكن هذا الدعاء اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا هذا دعاء وكل الإنسان فيه أمره إلى الله لأن الإنسان لا أعلم غير فيكن الأمر إلى عالم عز وجل أحيني ما علمت الحياة خيرا وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا حديث عن سبيل مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتمنين أحد الموت لذر نزل به فإن كان لا محالة فليقول اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرا وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا وذلك أن الموت استعجال أن طلب الموت أو تمني الموت استعجال من الإنسان في أن يقطع الله حياته وربما يحلمه من خير كثير ربما يحلمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة ولهذا جاء في الحديث ما من ميت يموت إلا ندم أي ميت فإن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب يعني استعتب من ذنبه وطلب العتبة وهل معذرة فإن قال قائل كيف يقول اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرا وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي نقول نعم لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون أما الإنسان فلا يعلم قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيبة إلا الله وما تدري نفس ماذا تكسب غدا فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيرا لك وقد تكون الوفاة خيرا لك ولهذا ينبغي الإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول طال الله بقاءك على طاعته حتى يكون في طول بقائه خير فإن قال قائل إنه قد جاء تمني الموت من مريم ابنة عمران حيث قالت يا ليتني ميت قبل هذا وكنت نسيا منسية فكيف وقعت فيما فيه النهي فالجواب عن ذلك أن نقول أولا يجب أن نعلم أن شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحجه شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس شرع من قبلنا بحجه لأن شرعنا نسخ لكل ما سبقه من أديان ثانيا أن مريم لم تتمنى الموت لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ليست ترويج لأنها ماتت قبل يعني أنها تعجلت الموت ولكنها تمنت أنها ماتت قبل هذه الفتنة ولو بقت ألف سنة المهم أن تموت بلا فتنة ومثل ذلك أيضا قول يوسف عليه الصلاة والسلام أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه بل هو يسأل أن يتوفاه الله على الإسلام توفني مسلما وهذا لا بأس أن تقول اللهم توفني على الإسلام على الإيمان على التوحيد على الإخلاص توفني وأن تراض عني وما أشبه ذلك فيجب المعرفة الفرق بين شخص يتمنى الموت من ضيقة نزلت به وبين شخص يتمنى الموت على صفة معينة يرضاه الله عز وجل فالأول هو الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام والثاني جائز وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تمنى الموت لضر نزل به لأن من تمنى الموت لضر نزل به ليس عنده صبر والواجب أن يصبر الإنسان على الضر وأن يحتسب الأجر من الله عز وجل فإن الضرر الذي يصيب من هم أو غم أو مرض أو أي شيء مكفر لسيئاته فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاته وهذا الذي ينال الإنسان من الأذى والمرض وغيره لا يدوم لا بد أن ينتهي فإذا انتهى وأنت تقصب حسنات باحتساب الأجر على الله عز وجل ويكفر عنك من سيئاتك بسببه صار خيرا لك كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له فالمؤمن على كل حال هو في خير في ضراء أو في سراء أما حديث خباب ابن الآت رضي الله عنه فهو يحكي ما وجده المسلمون من الأذية من كفار قريش في مكة فجاءوا يشكون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسط بردة له في ظل الكعبة صلوات الله وسلامه عليه فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن من كان من قبلنا يبتلى في دينه أعظم مما ابتلي به هؤلاء يحفر له حفرة ثم يلقى فيها ثم يؤتى بالمشاط على مفرق رأسه ويشق وأيضا يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه بأمشاط الحديد يمشط وهذا تعزير عظيم وأذية عظيما ثم أقسم عليه الصلاة والسلام أن الله سيتم هذا الأمر يعني سيتم ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام من دعوة الإسلام حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون يعني فاصبروا وانتظروا الفرج من الله فإن الله سيتم هذا الأمر وقد صار الأمر كما أقسم عليه النبي عليه الصلاة والسلام ففي هذا الحديث آية من آيات الله حيث وقع الأمر مطافقا لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام وآية من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم حيث صدقه الله بما أخبر به وهذا شهادة من الله له بالرسالة كما قال تعالى لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيده وفيه أيضا ذليل على وجوب الصبر على أذية أعداء مسلمين وإذا صبر الإنسان يظفر فالواجب على الإنسان أن نقابل ما يحصل من أذية الكفار بالصبر والاحتساب وانتظار الفرج ولا يظن الأمر أنه ينتهي بسرعة وينتهي بسهولة قد يبتل الله عز وجل المؤمنين بالكفار يؤذونهم وربما يقتلونهم كما قتلوا الأنبياء اليهود بنوا إسرائيل قتلوا الأنبياء أعظم من الدعاء وأعظم من المسلمين فليصبر ولينتظر الفرج ولا يمل ولا يضجر يبقى راسيا على صفر والعاقبة للمتقين والله تعالى مع الصابرين فإذا صبر وثابر وسلك الطرق التي توصل إلى المقصود بدون فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة ولكن بطريق منظمة لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على قطة ثابتة منظمة ويحصلون مقصودا أما الصدحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا فإنه قد يفوتهم شيء كثير وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوا إن كانوا قد بنوا شيئا لكن كون المؤمن يصبر ويتأد ويعمل بتؤده ويوطن نفسه ويخطط تخطيطا منظما يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكافرين ويفوت عليهم الفرص لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير يريدون أن يثيروهم حتى إذا حصل من بعضهم ما يحصل هنا إذن استعلوا عليه وقالوا هذا الذي نريد وحصل بذلك شر كبير فالنبي عليه الصلاة والسلام قال يا أصحاب يصبروا الإنسان في من قبلكم وأنتم أحقوا بالصبر منه كان يعمل به هذا العمل ويصبر فأنتم يا أمة محمد أمة الصبر والإحسان اصبروا حتى يأتي الله بأمره والعاقبة للمتقين فأنت أيها الإنسان لا تسكت على الشر ولكن اعمل بنظام بتخطيط بحسن تصرف وانتظر الفرج من الله ولا تمل لا تمل الدرب طويل لا سيما إذا كنت في أول الفتنة فإن القائمين بها سوف يحاولون ما استطاعوا أن يصلوا إلى قمة ما يريدون فقط عليهم السبيل وكن أطول منهم نفسا وأشد منهم مكرا فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ويمكر الله والله خير ما كن والله موفق