16- شرح رياض الصالحين / باب الصبر/أجر الصبرعلى موت الأبناء / بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
عن أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنهما قال أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إن بني قد احتبر فاشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول إن
لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتي النهاء فقام رماه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم
فارفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي فاقده في حجره ونفسه تقاطع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا فقال هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده وفي رواية في قلوب من
شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء فتفقوا عليه ومعنى تقاطع فتحرك وتفضل بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقل أن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة رضي
الله عنهم وأسامة بن زيد كان ابن زيد بن حارثة وزيد بن حارثة كان مولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبدا فأهدته إليه خديجة رضي الله عنها فأعتقر فصار مولا له وكان يلقب بحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم حب يعني حبيب وابنه أيضا حب فأسامة حب وابن حب رضي الله عنهما ذكر أن إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه رسوله تقول له إن ابنها قد احتضر يعني حضره
الموت وإنها تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر فبلغ الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم مرهى فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء
عنده بأجل مسم أمر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي أرسلته ابنته أن يأمر ابنته يعني أم هذا الطفل أم هذا الصبي بهذه الكلمات قال فلتصبر يعني تحبس نفسها عن السخط وتتحمل المصيبة
ولتحتسب يعني تحتسب الأجر على الله بصبرها لأن من الناس من يصبر ولا يحتسب يصبر على المصيبة ولا يتضجر لكنه ما يؤمل أجرها على الله فيفوته بذلك خير كثير لكن إذا صبر واحتسب الأجر يعني
أراد بصبره أن يثيبه الله ويأجره فهذا هو الاحتساب نرهى فالتصبر يعني على هذه المصيبة ولتحتسب أجرها على الله عز وجل فإن لله ما أخذ وله ما أعطى هذه الجملة عظيمة إذا كان الشيء كله لله
إن أخذ منك شيئا فهو ملك وإن أعطاك شيئا فهو ملك فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو عليك إذا أخذ الله منك شيئا محبوبا لك أن تقول هذا لله له أن يأخذ ما شاء وأن يعطي ما شاء ولهذا كان
يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبها أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون يعني نحن ملك لله يقال بنا ما شاء كذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له عز وجل له ما أخذ وله ما أعطى حتى الذي
يعطيك أنت لا تملكه هو لله ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيه أي فيما أعطاك الله إلا على الوجه الذي أذن لك فيه وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك قاصد ما نتصرف فيه تصرفاً مطلقاً لو
أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفاً مطلقاً على وجه لم يأذن به الشرح أن له أمس لا يمكن لأن المال مال الله كما قال تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاك المال مال الله ما تتصرف فيه إلا
على الوجه الذي أذن لك فيه ولهذا قال لله ما أخذ وله ما أبقى فإذا كان لله ما أخذ فكيف نجز كيف نتصرف أن يأخذ المالك ما ملك هذا خلاف المعقول وخلاف المنقول قال وكل شيء عنده بأجل مسمى كل
شيء عند الله في أجل مسمى كل شيء عند الله بمقدار كما قال تعالى في القرآن الكريم وكل شيء عنده بمقدار بمقدار في زمنه ومكانه وذاته وصفاته وكل شيء يتعلق به فهو عند الله مقدر كل شيء عنده
بأجل مقدر بأجل مسمى يعني مسمى أي معين فإذا أيقنت بهذا أن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى اقتنعت وهذه الظنة الأخيرة يعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب
المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير لكل أمة أجل إذا جاء أجل فلا يستأخنون ساعة ولا يستقدمون فإذا كان الشيء معجل لا يتقدم ولا يتأخر فلا فائدة من الجزع والتسخط لأنه وإن تجزعت أو تسخطت لن تغير
شيئا من المقدور ثم إن الرسول أبلغ البنت البنت النبي صلى الله عليه وسلم ما أمره أن يبلغه إياها ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر فقام عليه الصلاة والسلام هو جماعة من أصحابه فوصل إليها
فرفع إليه الصبي ونفسه تتقع يعني تضطرب تصعد وتنزل فبكى النبي عليه الصلاة والسلام دمعت عيناه فقال سعج بن عبادة وكان معه وكان هو سيد الخزرج يعني سيد القبيلة الكبيرة من الأنصار وهي
الخزرج فقال ما هذا ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بكى جزعا ما هذا كيف تفكي فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه رحمة يعني بكيت رحمة بالصبي لا جزعا بالمقدوم ثم قال عليه الصلاة والسلام
إنما يرحم الله من عباده الرحمة ففي هذا دليل على جواز البكى رحمة بالمصاب إذا رأيت مصابا في عقله أو بدنه فبكيت رحمة به فهذا دليل على أن الله تعالى جعل في قلبك رحمة وإذا جعل الله في
قلب الإنسان رحمة كان من الرحمة الذين يرحمهم الله عز وجل نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمة المهم أن في هذا الحديث دليل على وجوب الصبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرها فالتصبر
والتحتسب وفيه دليل أيضا على أن هذه الصيغة من العزا أفضل صيغة أفضل من قول بعض الناس أعظم الله أجرك وأحسن عزائك وغفر لمجتك هذه صيغة اختارها بعض العلماء لكن الصيغة التي اختارها الرسول
عليه الصلاة والسلام اصبر واحتسب لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى هذه إذا سمعها المصاب اغتنع أكثر والتازية في الحقيقة ليست تهنئة كما ظنها بعض العوام ليست تهنئة يحتفل
بها وتوضع لها الكراسي وتوقد لها الشموع ويحضر لها القرى والأطعمة لا التازية تسلية وتقوية للمصاب أن يصبب ولهذا لو أن أحدا لم يصب بالمصيبة مثل لو مات له ابن عام ولم يهتم به فإنه لا
يعز التازية ليست تهنئة كأنه ولد له فإذا ولد له هنأنا التازية تسلية وتقوي على الصبر ولهذا قال العلم رحمه الله تسن تعزية المصاب ولم يقولوا تسن تعزية القريب لأن القريب قد لا يصاب لموت
قريبه هو البعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلا فالتازية للمصاب لا للقريب أما الآن مع الأسف فانقلبت الموازين وصارت التازية للقريب حتى وإن كان قد فرح وضرب الطبور لموت قريبه فإنه يعز
يعني ربما يكون بعض الناس فقيف وبينه وبين ابن عمه مشاكل كثيرة ومات ابن عمه وله ملايين الدراهم هل يفرح إذا مات ابن عمه في مثل هذه الحال أو يصاب فقالبا يفرح يقول الحمد لله الذي فتني
من مشاكله وورثني ماله هذا لا يعز كيف يعز هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئا المهم أنه يجب أن نعلم أن التعازية إنما هي لتقوية المصاب على الصبر وتثليته فيختار لها من الكلمات أفضل ما يكون
وأقرب ما يكون للتعازية ولا أحسن من الكلمات التي صاغها نبينا صلى الله عليه وسلم والله مرحب رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تركي عند قبر فقال اتق الله واصبري
فقالت إليك عني فإنك فإنك لم تصد بمصيبتي ولم تعرف فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوادين فقالت لم أعرف فقال إنما الصبر عند
الصدمة الأولى متفق عليه وفي رواية للمسلم تبكي على على صبي لها رحمن الله تعالى فيما نقله أن نسب المالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمرأة وهي عند قبر قبر صبي لها قد
مات وكانت تحبه حبا شديدا فلم تملك نفسها أن تخرج إلى قبره لتبكي عنده فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم рок أمرها بتقوى الله والصبر قال له اتق الله واصبري فقالت له إليك عني فإنك لم
تصب مثل مصيبتي يعني إليك عني أبعد عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغا كبيرا فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها ثم قيل لها إن هذا رسول الله صلى
الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بابه وليس وليس على الباب بوابون يعني ما ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه صلى الله عليه وسلم فأخبرت وقالت إنني
لم أعرفك فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما الصبر عند الصدمة الأولى الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر عند الصدمة الأولى أول ما تصيبه المصيبة هذا هو الصبر أما الصبر فيما بعد
ذلك فإن هذا قد يكون تسليا كما تتسلى البهائي فالصبر حقيقة أن الإنسان إذا صدم أول ما يصطن يصبر ويحتسب ويحسن أن يقول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أَجِرْنِي
فِي مُّصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهِ ففي هذا الحديث عدة فوائد أولا حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته إلى الحق وإلى الخير فإنه لما رأى هذه المرأة تبكي عند القبر أمرها
بتقوى الله والصبر ولما قالت إليك عني لم ينتقم لنفسه ولم يضربها ولم يقمها بالقوة لأنه عرف أنه أصابها من الحزن ما لا تستطيع أن تملك نفسها ولهذا خرجت من بيتها لتبكي عند هذا القبر فإن
قال قائل أليس الزيارة القبول حراما على النساء قلنا بلى هي حرام على النساء بل هي من كبائد الزنور لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبول والمتخذين عليه المساجد والسرط لكن هذه
لم تخرج للزيارة وإنما خرجت لما في قلبها من لوعة فراق هذا الصبي والحزن الشديد لم تملك نفسها أن تأتي ولهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ولم يقمها بالقوة ولم يجبرها على أن ترجع إلى
بيتها ومنها من الفوائد هذا الحديث أن الإنسان يُعذر بالجهل سواء كان جهلا بالحكم الشرعي فإن هذه المرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إليك عني أبعد عني مع أنه يأمرها بالخير وبالتقوى
والصبر لكنها لم تعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهذا عذرها النبي عليه الصلاة والسلام ومنها أنه لا يُعرض للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بوابا يمنع الناس
إذا كان الناس يحتاجون إليه إلا إذا كان الإنسان يخشى من كثرة الناس وإرهاق الناس وإشغال الناس عن شيء يمكنهم أن يتدارقوا شغلهم في وقت آخر فهذا لا بأس منه وما جعل الاستدان إلا من أجل
النظر ومن أجل أن الإنسان يتصرف في بيته في إدخال من شاء ومنع من شاء ومن فوائد هذا الحديث أن الصبر الذي يحمد فاعله هو الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولى يصبر الإنسان ويحتسب ويعلم أن
لله ما أخذ وله ما أعطل وأن كل شيء عنده بأجل مسمى ومنها من فوائد هذا الحديث أن البكاء عند القبر ينافي الصبر ولهذا قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم اتق الله واصبر ويوجد من الناس من
يبتلى فإذا مات له ميت صار يتردد على قبره ويبكي عنده وهذا ينافي الصبر بل نقول إذا شئت أن تنفع هذا الميت فادعو الله له وأنت في بيته ولا حاجة أن تتردد على القبر لأن التردد على القبر
يجعل الإنسان يتخيل هذا الميت دائما في ذهنه ولا يغيب عنه وحينئذ لا ينسى المصيبة أبدا مع أن الأفضل الإنسان أن يتلهى وأن ينسى المصيبة بقدر ما يستطيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبلت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه ما لعبه إلا الجنة رواه البخاري بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤمن الرحمن
الرحمن الرحمن الرحيم قبل فيما نقله أن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه عز وجل ما لعبد المؤمن إذا قبضت صفيه من الدنيا ثم احتسب تسبه
جزاء إلا الجنة هذا الحديث يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله ويسمي العلماء رحمهم الله هذا القسم من الحديث الحديث القدسي لأن النبي صلى الله عليه وسلم رواه عن الله قال الله تعالى
ما لعبد المؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة الصفي من يصطفيه الإنسان ويختار من ولد أو أخ أو عم أو أب أو أم أو صديق المهم أن لن يصطفيه الإنسان ويختاره ويرى أنه ذو
صلة فيه قوية إذا أخذه الله عز وجل ثم احتسبه الإنسان فليس له جزاء إلا الجنة ففي هذا دليل على فضيلة الصبر على قبض الصفي من الدنيا وأن الله عز وجل يجازي الإنسان إذا احتسب يجازيه الجنة
وفيه دليل على فضل الله سبحانه وتعالى وكرمه على عباده فإن الملك ملك والأمر أمره وأنت وصفيك كلاكما لله عز وجل ومع ذلك فإذا قبل الله صفي الإنسان وإذا احتسب فإنه له هذا الجزاء العظيم
وفي هذا الحديث أيضا من الفوائد الإشارة إلى أفعال الله إذا قبضت صفيه ولا شك أن الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد ولكن يجب علينا أن نعلم أن فعل الله تعالى كله خير لا ينسب الشر إلى
الله أبدا والشر إذا وقع فإنما يقع في المفعولات ولا يقع في الفعل فمثلا إذا قدر الله على الإنسان ما يكره فلا شك أن ما يكرهه الإنسان بالنسبة إليه شر لكن الشر في هذا المقدر لا في تقدير
الله لأن الله تعالى لا يقدره إلا لحكمة حظيمة إما للمقدر عليه وإلا لعامة الخلق أحيانا تكون الحكمة خاصة في المقدر عليه وأحيانا في الخلق على سبيل العموم المقدر عليه إذا قدر الله عليه
شرا وصبر واحتسب نال بذلك خيرا إذا قدر الله عليه شرا ورجع إلى ربه بسبب هذا الأمر لأن الإنسان إذا كان في نعمة جائما قد ينسى شكر المنعم عز وجل ولا يلتفكر إلى الله فإذا أصيب بالضراء
تذكر تذكر ورجع إلى ربه سبحانه وتعالى ويكون في ذلك فائدة معظيمة له أما بالنسبة للآخرين فإن هذا المقدر على الشخص إذا ضر قد ينتفع به الآخرون والنضر بذلك مثلا برجل عنده بيت من الطين
أرسل الله مطرا غزيرا دائما فإن صاحب هذا البيت يتضر لكن المصلحة العامة للناس مصلحة ينتفعون بها فصار هذا خيرا على شخص شرا على شخص وخيرا لآخرين ومع ذلك فكونه شرا لهذا الشخص أمر نسبي
إذ أنه شر من وجه لكنه خير له من وجه آخر تعظ يتعظ ويعلم أن الملجأ هو الله عز وجل لا ملجأ إلا إليه فيستفيد من هذا فائد أكبر مما حصل له من المضبع المهم أن هذا الحديث ذكره مؤلف رحمه
الله في باب الصبر لأن فيه فائد عظيمة فيما إذا صبر الإنسان على قبض الله سبحانه وتعالى لصفيه أنه ليس له جزاء إلا الجنة واللهم وفق