14- شرح رياض الصالحين / باب الصبر/من يتصبر يصبره الله - وعجباً لأمر المؤمن / بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سناني الخدري رضي الله عنهما أن ناسا من الأنصال سالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سالوه فأعطاهم حتى نفدها عنده فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده ما يكون من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفر في عثه الله ومن يستغني غنه الله ومن يتصبر يصبر الله وما أعطي أحد عطاء خيرا خيرا وأوسى من الصبر متبق مائه قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي سعيد الحدري رضي الله عنه أن ناسا من الأنصار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده عليه الصلاة والسلام وكان من خلقه الكريم أنه لا يسأل شيئا يجده إلا أعطاه وما عهد عنه أنه صلى الله عليه وسلم منع سائله بل كان نعطي أطاء من لا يخشى الفقر ويعيش في بيته عيش الفقراء وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع فهو عليه الصلاة والسلام أكرم الناس وأشجع الناس فلما نفد ما في يده أخبرهم أنه ما من شيء أو ما من خير يكون عنده يدخره عنه يعني لا يمكن أن يدخر شيئا عنهم فيمنعهم ولكن ليس عنده شيء ثم حتى النبي صلى الله عليه وسلم على الاستعفاء والاستغنى والصبر فقال ومن يستعفف ومن يستغني يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله عز وجل هذه ثلاثة أمور أولا من يستغني يغنه الله يعني من يستغني بما عند الله عما في أيدي الناس يغنه الله عز وجل وأما من يسأل الناس ويحتاج لما عندهم فإنه سيبقى قلبه فقيرا ولا يغنه الله ولا يستغني ولغنى غنى القلب فإذا استغني الإنسان بما عند الله عما في أيدي الناس أغناه الله عن الناس وجعله عزيز النفس فعيدا عن السؤال كذلك من يستعفف يعفه الله يعني من يستعفف عما حرم الله عليه من النساء يعفه الله عز وجل والإنسان الذي يتبع نفسه هواها فيما يتعلق بالعفة فإنه يهلك والعياذ بالله يهلك لأنه إذا أتبع نفسه هواها وصار يتتبع النساء فإنه يهلك تزني العين تزني الأذن تزني اليد تزني الزجل ثم يزني الفرج وهو الفاحشة والعياذ بالله فإذا استعفف الإنسان عن هذا المحرم أعطه الله عز وجل وحماه وحما أهله أيضا ومن يتصبر يصبره الله يعني يعطيه الله الصبر إذا تصبرت وحبست نفسك أما حرم الله عليك وصبرت على ما عندك من الحاجة والفقر ولم تلح على الناس بالسؤال فإن الله تعالى يصبرك ويعينك على الصبر وهذا هو الشاهد من الحديث لأن الحديث هذا في ذاب الصبر ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر يعني ما من الله على أحد يعطاء من رزق أو غيره خيرا وأوسع من الصبر لأن الإنسان إذا كان صبورا تحمل كل شيء إن أصبته الظراء صبر وإن عرض له الشيطان بفعل محرم صبر وإن خذ له الشيطان عن ما أمر الله صبر فإذا كان الإنسان قد من الله عليه بالصبر فهذا خير ما يعطاه الإنسان وأوسع ما يعطاه ولذلك تجد الإنسان الصبور لو أود لو آده الناس لو سمع منه ما يكره لو حصل منهم اعتداء عليه تجده هادي ألفال لا يتصلب ولا يغضب لأنه صابع على ما ابتله الله به فلذلك تجد قلبه دائما مطمئنا ونفسه مستريحا ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ما أعطي أحد عطاءا خيرا وعوسع من الصبر والله مرحب وعن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كل خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خير الله وإن أصابته براء صبر فكان خير الله رؤوه مسلم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن صهيب الرومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام أظهر العجب على وجه الاستحسان لأمر المؤمن يعني لشأن المؤمن فإن شأنه كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ثم فصل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الخير فقال إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له هذه حال المؤمن وكل إنسان فإنه في قضاء الله وقدره بين أمري إما سراء وإما ضراء والناس في هذه الإصابة السراء والضراء ينقسمون إلى قسمين مؤمن وغير مؤمن فالمؤمن على كل حال ما قدر الله له فهو خير له إن أصابته الضراء صبر صبر على أقدار الله وانتظر الفرج من الله واحتسب الأجر على الله فكان ذلك خيرا له فنال بهذا أجر الصابري وإن أصابته سراء من نعمة نعمة دينية كالعلم والعمل الصالح كالمال والبنين والأهل شكر شكر الله وذلك بالقيام بطاعة الله لأن الشكر ليس مجرد قول الإنسان أشكر الله بل هو القيام بطاعة الله عز وجل فيشكر الله فيكون خيرا له يكون عليه نعمتان نعمة الدين ونعمة الدنيا نعمة الدنيا بالسراء ونعمة الدين بالشكر هذه حال المؤمن فهو على خير سواء أصيب بسراء أو أصيب بضراء أما الكافر فهو على شر وعياذ بالله على شر إن أصابته الضراء لم يصد تضجر ودعا بالويل والثبور وسب الدهر وسب الزمن بل وسب الله عز وجل نعوذ بالله وإن أصابته السراء لم يسكر الله فكانت هذه السراء عقابا عليه في الآخر لأن الكافر لا يأكل أكله ولا يشرب شربه إلا كان عليه فيها إثم وإن كان ليس فيها إثم بالنسبة للمؤمن لكن على الكافر إثم كما قال الله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج العباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة هي للذين آمنوا خاصة وهي خالصة لهم يوم القيامة أما الذين لا يؤمنون فليست لهم ويأكلونها حراما عليهم ويعاقبون عليها يوم القيامة فالكافر في شر سواء نصابه الضراء أم السراء بخلاف المؤمن فإنه على خير وفي هذا الحديث الحث على الإيمان وأن المؤمن دائما في خيره ونعمه وفيه أيضا الحث على الصبر على الضراء وأن ذلك من خصال المؤمنين فإذا رأيت نفسك عند إصابة الضراء صابرا محتسبا تنتظر الفرج من الله سبحانه وتعالى وتحتسب الأجر على الله فذلك عنوان الإيمان وإن رأيت بالعكس فاخش نفسك وعد المسيرك واتوب إلى الله وفي هذا أيضا الحث في هذا الحديث الحث على الشكر عند السراء لأن الشكر إذا شكر الإنسان ربه على نعمته فهذا من توفيق الله له وهو من أسباب زيادة النعم كما قال الله تعالى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَاِنْ شُكَرْتُمْ لَاَزِيدَنَّكُمْ وَلَإِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وإذا وفَّق الله الإنسان للشكر فهذه نعمة تحتاج إلى شكره آه مرة ثانية فإذا وفَّق فهي نعمة تحتاج إلى شكرها نعمة ثالثة لأن الشكر قل من يقوم به فإذا من الله عليك وأعانك عليه فهذه نعمة ولهذا قال بعضهم إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر وصدق رحمه الله فإن الله إذا وفَّقك للشكر فهذه نعمة تحتاج إلى شكر جديد فإن شكرت فهي نعمة تحتاج إلى شكر ثاني فإن شكرت فهي نعمة تحتاج إلى شكر ثالث وهل مجرة ولكننا في الحقيقة في غفلة في غفلة عن هذا نسأل الله أن يقض قلوبنا وقلوبكم ويصلح أعمالنا وأعمالكم إنه جواب كريم أنس رضي الله عنه قال لما تقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتوشى وكر فقالت فاطمة رضي الله عنه وكر بابته فقال ليس على أبيك كرب باب اليوم فلما مأت قالت يا أبتاه أجاب ربا داءه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل لناه فلما دفن قالت فاطمة رضي الله عنها أطابت أنفسكم أن تحفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم التراب رواه البخاري بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن فاطمة أنت محمد صلى الله عليه وسلم لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه وجعل يتغشاه الكرب يعني من شدة ما يصيبه جعل يغشى عليه من الكرب عليه الصلاة والسلام لأنه عليه الصلاة والسلام يشدد عليه الوعك والمرض كان يوعك كما يوعك الرثلان من الناس والحكمة في هذا لأجل أن ينال صلى الله عليه وسلم أعلى درجات الصبر فإن الصبر منزلة عالية لا ينال إلا بامتحان واختبار من الله عز وجل لأنه لا صبر إلا على مكروه فإذا لم يصب الإنسان بالشيء يكرهه فكيف يعرف صبره ولهذا قال الله تعالى ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين فكان النبي صلى الله عليه وسلم يوعك كما يوعك الرجلان من الناس فجعل يتغشاه الكرب فتقول فاطمة رضي الله عنها وكرب أبتاه تتوجع له من كربه لأنها امرأة وللمرأة لا تطلق الصبر فقال النبي عليه الصلاة والسلام لا كرب على أبيك بعد اليوم لأنه صلى الله عليه وسلم لما انتقل من الدنيا انتقل إلى الرفيق الأعلى كما كان صلى الله عليه وسلم وهو يغشاه الموت يقول اللهم في الرفيق الأعلى وينظر إلى سقف البيت صلى الله عليه وسلم توفي النبي عليه الصلاة والسلام فجعلت رضي الله عنها تندبه لكنه ندب خفيث لا يدل على التسخط من قراء الله وقدره فجعلت تقول وأبتاه إلى جبريل ننعاه ننعاه النعي والإخبار بموت الميت وقالت وقالت أننا ننعاه إلى جبريل لأن جبريل هو الذي كان يأتيه بالوحي صباحا ومساء فإذا فقد النبي صلى الله عليه وسلم فقد نزول جبريل إلى الأرض بالوحي لأن الوحي انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إلى جبريل ننعاه وأبتاه أجاب ربا دعاه عز وجل لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده ملكوت كل شيء آجال الخلق بيده تصريف الخلق بيده كل شيء إلى الله إلى الله المنتهى وإليه الرجع فأجاب داعي الله وهو أنه صلى الله عليه وسلم إذا توفي كغيره من المؤمنين يصعد بروحه حتى توقف بين يد الله عز وجل فوق السماء السابع فقالت وأبتاه أجاب ربا دعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام أعلى الخلق منزلة في الجنة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام اسأل الله لي الوسيلة فإنها أعلى درجة في الجنة ولا تكون إلا لعبد من عباد الله فأرجو أن أكون أنا هو ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام نأواه جنة الفردوس وجنة الفردوس هي أعلى درجات الجنة وسقفها الذي فوقها عرش الرب جل جلاله فوقها عرش الرحمن والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى درجة منه ثم لما حمل ودفن قالت رضي الله عنها أطابت أنفسكم أن تحتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب يعني من شدة وجدها عليه وحزنها ومعرفتها بأن الصحابة رضي الله عنهم قد ملأت قلوبهم محبة الرسول عليه الصلاة والسلام فهل طابت والجواب نعم طابت لأن هذا هو ما أراده الله عز وجل وهو شرق الله ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام يفتى لكل الأرض لفداه الصحابة رضي الله عنه لكن الله تعالى هو الذي له الحكم وإليه المرجع وكما قال الله تعالى في الكتاب إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون في هذا الحديث بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كغيره من البشر يمرض ويجوع ويعطش ويبرد ويحتر وجميع الأمور البشرية تعتر النبي صلى الله عليه وسلم كما قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسوا وفيه رج على هؤلاء القوم الذين يشتكون بالرسول صلى الله عليه وسلم يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام يستغيثن به وهو في قبره بل إن بعضهم والعيادة بالله لا يسأل الله ويسأل الرسول كأن الذي يجيب هو الرسول عليه الصلاة والسلام ولقد ظلوا في دينهم وسفهوا في عقولهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفسه فكيف يملك لغيره قال الله تعالى آمر النبي قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك بل هو عبد من عباد الله ولهذا قال إن أتبعوا إلا من يحايري وقال الله تعالى له أيضا قل إني لا أملك لكم ذرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه متحدة إلا بلاغة يعني هذه وضيتك إلا بلاغة من الله ورسالة ولما أنزل الله فعالى قوله وأنذر عشيرتك الأقربين دعا قرابته عليه الصلاة والسلام وجعل ينادي إلى أن قال يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتي لا أغني عنك من الله شيئا إلى هذا الحق ابنته التي هي بضعة منه والتي يريبه ما رابها يقول لها لا أغني عنك من الله شيئا فهو دليل على أن من سواها من باب أول ففيه ضلال هؤلاء القوم الذين يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام تجدهم في المسجد النبوي عند الدعاء يتجهون إلى القبر ويصمدون أمام القبر كما يصمدون أمام الله في الصلاة أو أشد وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس بالنجب اليسير إذا لم يكن مؤذنا بالتسخط على الله عز وجل لأن فاطمة ندبت النبي عليه الصلاة والسلام لكنه ندب يسير وليس ينم عن اعتراض على قدر الله عز وجل وفيه دليل على أن فاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام ورضي عنها تقيت بعد موته ولم يبقى من أولاده بعده إلا فاطر كل أولاده من بنين وبنات ماتوا في حياته صلى الله عليه وسلم فقت فاطمة ولكن ليس لها ميرات لا هي ولا زوجاته ولا عمه العباس ولا أحد من عصبه لأن الأنبياء لا يورثوا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَهِ مَا تَرَكْنَا صَدَقَهُ وهذا من حكمة الله عز وجل لأنهم لو ورثوا لقال من يقول إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبوا ملكاً يورثوا من بعده ولكن الله عز وجل منع ذلك فالأنبياء لا يورثوا بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين لهم