13- شرح رياض الصالحين / باب الصبر/حديث الطهور شطر الإيمان- والصير ضياء / بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

عن أبي مالك للأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملأان أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك وعليك كل الناس يردو فذائع نفسه فمعتقها أو موبقها رواه مسلم سبغ لنا الكلام على الآيات التي ساقها المؤلف رحمه الله الصبر وثوابه والحث عليه ثم شرع رحمه الله في بيان الأحاديث الواردة في ذلك فذكر حديث أبي مالك الأشعر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبحان الله والحمد لله تملأني أو تملأ ما بين السماوات والأرض إلى قوله والصبر ضياء فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء يعني أنه يضيء للإنسان يضيء له عندما تحتلك الظلمات وتشتد الكربات فإذا صبر فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلى الحق ولهذا ذكر الله تعالى أنه من جملة الأشياء التي يستعان بها فهو ضياء للإنسان في قلبه وضياء له في طريقه ومنهاجه وعمله لأنه كلما سار إلى الله عز وجل على طريق الصبر فإن الله تعالى يزيده هدى وضياء في قلبه ويبصره فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام الصبر ضياء أما بقية الحديث فقال عليه الصلاة والسلام الطهور شطر الإيمان الطهور يعني بذلك طهارة الإنسان شطر الإيمان يعني ينصى الإيمان وذلك لأن الإيمان تخلية وتحلية يعني تبرؤ من الشرك والفسوق تبرؤ من المشركين والفساق بحسب ما معه من الفسق فهو تخلي وهذا هو الطهور أن يتطهر الإنسان طهارة حسية ومعنوية من كل ما فيه أذى فلهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام شطر الإيمان قال وسبحان الله تملأ المزان يعني إذا قال الإنسان سبحان الله فقد ملأ ميزان لأن سبحان الله ماناها تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من العيوب ومواثلات المخلوقات فالله عز وجل منزه عن كل عيب في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب ولهذا قال الله تعالى ولله قال تعالى ولله أسماء حسنة ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص ولهذا قال الله تعالى ولله المثل الأعلى بعد قوله للذين لا يؤمنون بالآخرة المثل السوء ولله المثل الأعلى فالله عز وجل له الوصف الأكمل الأعلى من جميع الوجود وله أيضا الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله كما قال تعالى وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين فليس في خلق الله لعب وله وإنما هو خلق مبني على الحكمة كذلك أحكامه لا تجد فيها عيبا ولا نقصا كما قال الله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمي وقال عز وجل ومن أحسن وقال عز وجل أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يقن فالمهم أن التسبيح معناه تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ولهذا قال سبحان الله تملع النزام وسبحان الله والحمد لله تملآني أو قال تملع ما بين السماء ولا شك من الراب هل قال النبي عليه الصلاة والسلام تملآني ما بين السماوات والأرض أو قال تملأ ما بين السماوات والأرض والمعنى لا يختلف يعني أن سبحان الله الحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض وذلك لأن هاتين الكلمتين مجتملتان على تنزيه الله عن كل نقص في قوله سبحان الله وعلى وصف الله بكل كمال في قوله والحمد لله فقد جمعت هاتين الكلمتان بين التخلية والتحلية كما يقولون أي بين نفي كل عيب ونقص وإثفات كل كمال فسبحان الله فيها نفي النقاص والحمد لله فيها إثفات الكمالات والله عز وجل يحمد على كل حال وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أصابه ما يسر به قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أصابه سوى ذلك قال الحمد لله على كل حال ثم إنها هنا كلمة شاعت أخيرا عند كثير من الناس وهي قولهم الحمد لله الذي لا يحمد على مقروه سوى هذا ناقص هذا الحمد ناقص لأن قولك على مقروه سوى تعبير على تعبير يدل على قلة الصبر أو على الأقل على عدم كمال الصبر وأنك كاره لهذا الشيء ولا ينبغي للإنسان أن يعبر هذا التعبير بل الذي ينبغي له أن يعبر بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعبر به فيقول الحمد لله على كل حال أو يقول الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سوى أما أن يقول على مقروه سوى فهذا تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله عز وجل وأنه كاره له وأنا لا أقول إن الإنسان لا يكره ما أصابه من البلاء لطبيعة الإنسان أن يكره ذلك لكن لا تعلم هذا بلسانك في مقام السناء على الله بل عبر كما عبر النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سوى يا رحمن الرحيم سبق لنا الكلام على أول هذا الحديث الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة نور والصبر ضياء فالصلاة نور نور للعبد في قلبه وفي وجهه وفي قبره وفي حشره ولهذا تجد أكثر الناس نورا في الوجوه أكثرهم صلاة وأخشعهم فيها لله عز وجل وكذلك تكون نورا للإنسان في قلبه تفتح عليه باب المعرفة بالله عز وجل وباب المعرفة في أحكام الله وأفعاله وأسمائه وصفاته وهي نور في قبر الإنسان لأنه لأن الصلاة هي عمود الإسلام إذا قام العمود قام البناء وإذا لم يقم العمود فلا بناء فهي نور في قبر الإنسان كذلك نور في حشره يوم القيامة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أن من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف فهي نور للإنسان في جميع أحواله وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها وأن يحدث عليها وأن يكثر منها منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه أما الصبر فقال إنه ضياء فيه نور لكن نور مع حرارة كما قال الله تعالى هو الذي يجعل الشمس ضياءا والقمر نورا فالضوء لا بد فيه من حرارة وهكذا الصبر لا بد فيه من حرارة وتعب لأن فيه مشقة كبيرة ولهذا كان أجره باري حساب فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر أن الضياء في الصبر مصفوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلب والبدن في بعض الأحيان ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام والصدقة فرهان الصدقة يعني بذل المال تقربا إلى الله عز وجل للأهل والفغراء والمصالح العامة كبناء المساجد وغيرها هذا فرهان فرهان على أي شيء فرهان على إيمان العبد وذلك أن المال محفوب إلى النفوس والنفوس شحيحة به فإذا بذله الإنسان لله فإن الإنسان لا يفذل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه فيكون في بذل المال لله عز وجل دليل على صدق الإيمان وصحته ولهذا تجد أكثر الناس إيمانا بالله عز وجل وبإخلافه تجدهم أكثرهم صدقة ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن حجة لك أو عليك لأن القرآن هو حبل الله المتيل وهو حجة الله على خلقه فإما أن يكون لك وذلك فيما إذا توصلت به إلى الله وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار وامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه ففي هذا الحال يكون حجة لك أما إن كان الأمر بالعكس أهمت القرآن وهجرته لفظا ومعنا وعملا ولم تقم بواجبه فإنه يكون عليك شاهدا عليك يوم القيامة ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مرتبة بين هاتين المرتبتين يعني لم يذكر أن القرآن لا لك ولا عليك لأنه لا بد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال فنسى الله أيها جله لنا ولكم حجة نهتدي به في الدنيا وفي الآخرة إنه جواج كريم سبق الكلام على هذا الحديث إلا الجملة الأخيرة منه وهي قوله صلى الله عليه وسلم كل الناس يغدو فبائع النفس فمعتقها أو موبقها طوله عليه الصلاة والسلام كل الناس يغدو يعني كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل وهذا شيء مشاهد فإن الله سبحانه وتعالى جعل الليل سكنا وقال وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغرى تهدأ فيه الأحصار ويستريح به البدن ويستجد نشاط للعمل المقبل ويستريح من العمل الماضي فإذا كان الصباح وهو الغدوة سار الناس واتجهوا كل لعمل فمنهم من يتجه إلى الخير وهم المسلمون ومنهم من يتجه إلى الشر وهم الكفار لا يعني بالله المسلم أول ما يغدو يتوضى ويتطهر والطهور شطر الإيمان كما في هذا الحديث ثم يذهب فيصلي فيبدأ فيبدأ يومه بعبادة الله عز وجل بالطهارة والنقى والصلاة التي هي صلة بين العبد وبين ربه فيفتتح يومه بهذا العمل الصالح بل يفتتحه بالتوحيد لأنه يشرع للإنسان إذا استيقل من نومه أن يذكر الله عز وجل وأن يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي العلباب إلى آخر السورة هذا المسلم هذا الذي يغدو في الحقيقة هو بائع النفس لكن هل باعها بيعا يعتقها فيه نقول نعم المسلم باعها بيعا يعتقها فيه ولهذا قال فبائع نفسه فمعتقه هذا قسم أو موبقها يعني معناه بائع نفسه فموبقه الكافر يغدو إلى العمل الذي فيه الهلاك لأن معنى أوبقها أهلكها وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله حتى لو بدأ بالأكل والشرب فإن أكله والشرب يعاقب عليه يوم القيام يحاسب عليه كل لقمة يرفعها الكافر إلى فمه فإنه يعاقب عليه وكل جغمة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليه وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه والدليل على هذا قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج العباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا للذين آمن لا لغيره خالصة يوم القيامة يعني ليس عليهم من شوائدها شيء نوم القيامة فمفهوم الآية الكريمة قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة أنها لغير المؤمنين حرام وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة وأنهم سيعاقبون عليها وقال الله تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل والآية التي سقتها الآن في سورة الأنعام وهي مكية المائدة مدنية وهي من آخر ما نزل قال ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعم فمفهوم الآية الكريمة أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه فالكافر من فيما يصبح والعياذ بالله وهو بائع نفسه فيما يهلكها أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها مننا نسأل الله أن يجعلنا وأن يكن منه في آخر هذا الحديث بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس ينقسمون إلى قسمه قسم يكون القرآن حجة له كما قال والقرآن حجة لك وقسم يكون القرآن حجة عليه كما قال أو عليك وقسم يعتقون أنفسهم بأعمالهم الصالحة وقسم يهلقونها بأعمالهم السيئة واللهم وفو