12- شرح رياض الصالحين / باب الصبر/ شرح آيات الصبر/ بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
باب الصبر قال الله تعالى يا أيها الذين اكبروا وصابروا وقال تعالى ولنذرونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين وقال تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم
بغير حساب وقال تعالى ولما صبر وغفر إن ذلك لمن أزم الأمور الرحمن الرحيم سبق لنا الكلام على الصبر وأنواعه وعلى قوله تعالى قال على أول الآية في قوله تعالى ولنبنونكم بشيء من الخوف
والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون لما ذكر الله هذا
الابتلاء قال وبشر الصابرين والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يبلغه هذا الخطاب يعني بشر يا محمد وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوة فلا يقابلونها
بالتسقط وإنما يقابلونها بالصبر وأكمل من ذلك أن نقابلوها بالرضا وأكمل من ذلك أن نقابلوها بالشكر كما مر علينا أن المصائب في المصائب من أقدار الله المؤلمة له أربع حالات تسقط وصبر ورضا
وشكر هنا قال بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبا قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إذا أصبتهم مصيبة اعترفوا لله عز وجل بعموم ملكه وأنهم ملك لله ولله أن يفعل في ملكه ما شاء ولهذا قال
النبي عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته قال فإن لله ما أخذ وله ما أبقى فأنت ملك لربك عز وجل يفعل بك ما شاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى ثم قال وإنا إليه راجعون يعترفون بأنهم لا
بد أن يرجعوا إلى الله فيجازيهم إن تسخطوا جازاهم على سخطهم وإن صبروا كما هو شأن هؤلاء القوم فإن الله تعالى يجازيهم على صبرهم على هذه المصائب فيبتلي عز وجل بالبلاء ويثيب الصابر عليه
قال تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة أولئك عن الصابرين عليهم صلوات من ربهم ورحمة الصلوات جمع صلاة وهي تناؤل الله عليهم في الملأ الأعلى يثن الله عليهم عند ملائكة في الملأ
الأعلى ورحمة من الله عز وجل وأولئك هم المهتدون الذين هداهم الله عز وجل عند حنول المصائب فلم يتسخطوا وإنما صبروا على ما أصابهم وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله عز وجل ليست هي
رحمة بل هي أخص وأكمل وأفضل ومن فسرها من العلماء لأن الصلاة من الله الرحمة ومن الدعاء ومن الملائكة الدعاء ومن الآدميين الاستغفار فإن هذا لا وشله بل الصلاة غير الرحمة لأن الله تعالى
عطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتضي المغايرة ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز أن تقول لأي شخص من المؤمنين اللهم ارحم فلانا واختلفوا هل يجوز أن تقول اللهم صل عليه أو لا يجوز على
أقوال الثلاث فمنهم من أجازها مطلقا ومنهم من منعها مطلقا ومنهم من أجازها إذا كانت تبعا والصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعا مثل اللهم صل على محمد وآل محمد أو لم تكن تبعا لكن لها سبب كما
قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم فإذا كان لها سبب ولم تتخذ شعارا فإن ذلك لا بأس به أي لا بأس أن تقول اللهم صل على محمد لو جاءك رجل بزكاة وقد خذ زكاة فرق
على القطراء فلك أن تقول صلى الله عليك تدعو له بأن يصلي الله عليه كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك والله مرحبا أيها الرحمن الرحيم تقدم الكلام على عدة آيات ساقها المؤلف رحمه
الله تعالى في الصبر وتوابه وبيان محله وقال في جملة ما ساقهم للآيات قوله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب يوفى الصابرون يعني يعطى الصابرون أجرهم يعني ثوابهم بغير حساب وذلك
أن الأعمال الصالحة مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة أما الصبر فإن مضاعفة تأتي بغير حساب من عند الله عز وجل وهذا يدل على أن أجره عظيم وأن الإنسان لا يمكن
أن يتصور هذا الأجر لأنه لم يقابل بعدد فل هو أمر معلوم عند الله ولا حساب فيه لا يقال مثلا الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف بل يقال إنه لف أجره بغير حساب وفي هذه الآية من الترغيب
في الصبر ما هو ظاهر ثم قال المنلف وقوله تعالى ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور يعني أن الذي يصبر على أذى الناس ويتحملهم ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه فإن ذلك من عزم
الأمور أي من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى مقابلة ومصابرة ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله عز وجل وبسبب طاعته لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة
متنوعة فإذا كان سببها طاعة الله عز وجل والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الإنسان يثاب على ذلك من وجهي الوجه الأول من الأذية التي تحصل له والوجتان صبره على هذه
الطاعة التي أُوذي في الله من أجلها وفي هذه الآية حث على صبر الإنسان على أذية الناس ومغفرته لهم ما أساءوا إليه فيه ولكن ينبغي أن نعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محمودة على
الإطلاق فإن الله تعالى قيد هذا بأن يكون العفو مقرونا في الإسلاح فقال فمن عفى وأصلح فأجره على الله أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة الإسلاح فلا تعفو ولا تعفو مثال ذلك لو كان الذي
أساء إليك شخصا معروفا بالشر والفساد وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة زيادة في شره ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه أن تأفذ بحقك من أجل الإصلاح أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه
لم يترتب على العفو عنه المفسدة فإن العفو أفضل وأحسن لأن الله يقول من عفى وأصلح فأجره على الله وإذا كان أجرك على الله كان خيرا لك من أن يكون ذلك بمعاوضة بمعاوضة تأخذ من أعمال صاحبك
الصالحة ثم قال المؤلف وقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاح أمر الله تعالى أن نستعين على الأمور بالصبر عليه لأن الإنسان إذا صبر وانتظر الفرج من الله سهلت عليه الأمور فأنت إذا يصدت
بشيء يحتاج إلى الصبر فاصدر وتحمل واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسل يصبر وأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام
ذكر عنه أنه أنه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وبين الله في كتابه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فإذا استعان الإنسان بالصلاة على أموره يسر الله له ذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين
رب يقف الإنسان فيها بين يدي الله ويناجيه ويدعوه ويتقرب إليه في أنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة فكانت سببا للمعونة بالله موفق ذكر المؤلف رحمه الله من آيات الصبر الدالة على
أتوبه وعلى فضيلته قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابري يا أيها الذين آمنوا واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابري فذكر الله عز وجل الأمر بالاستعانة بالصبر
وقد سبع الكلام عليه بالدرس الماضي وكذلك الأمر بالاستعانة بالصلاة وسبق الكلام على ذلك أيضا ثم قال عز وجل إن الله مع الصابرين يعني في ذلك المعية الخاصة لأن معية الله سبحانه وتعالى
تنقسم إلى قسمين معية عامة شاملة لكل أحد وهي المذكورة في قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم وفي قوله تعالى ما يكون من نجوة ثلاثة إلا هو رابعه ولا خمسة إلا هو سادسه ولا أدنى من ذلك ولا
أكثر إلا هو معهم أينما كان وهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق فما من مقلوق إلا والله تعالى معه يعلمه ويحيط به سلطاناً وقدرةً وسمعاً وبصراً وغير ذلك أما المعية الخاصة فهي المعية
التي تقتضي النصر والتأييد وهذه خاصة بالرسل وأتباعه ليست لكل أحد فالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنين والله مع الصابرين وما أشبه ذلك من العادة الدالة على هذه المعية الخاصة ولكن
المعيتين فلتاهما لا تدلان على أن الله عز وجل مع الناس في أمثنته بل هو مع الناس وهو عز وجل فوق سمواته على عرشه ولا مانعاً ذلك فإن الشيء يكون فوق وهو معك والعرب يقولون ما زلنا نسير
والقمر معنا وكل يعلم أن القمر في السماء ويقولون ما زلنا نسير وسهيل معنا يعني النجم المعروف وهو في السماء فما بالك بالخالق عز وجل هو فوق كل شيء استوى العرشه ومع ذلك محيط بكل شيء مع
كل أحد مهما انفرد فإن الله تعالى محيط بك علماً وقدرةً وسلطاناً وسمعاً وبصراً وغير ذات وفي قوله تعالى والله مع الصابرين دليل على أن الصبر معانم من قبل الله وأن الله تعالى يعين
الصابر ويؤيده ويكلأه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله عز وجل ثم ذكر المؤلف رحمه الله آخر آية ساقها وهي قوله تعالى ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم
ولنبلونكم يعني لنختبرنكم فالابتلاو بمعنى الاختبار أو البلوى بمعنى الاختبار يعني أن الله اختبر العباء في فرض الجهاد عليهم ليعلم من يصبر ومن لا يصبر ولهذا قال تعالى في آتنا أخرى ولو
يشاء الله لن تصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصبحوا بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم وقوله عز وجل حتى نعلم المجاهدين قد يتوهم بعض من
قصر علمه أن الله عز وجل لا يعلم الشيء حتى يقع وهذا غير صحيح فالله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعه كما قال تعالى لم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله
يسير ومن ادعى أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله تعالى قد علم الأشياء قبل أن تقع لكن العلم الذي في هذه الآية حتى نعلم
المجاهدين هو العلم الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب وذلك لأن علم الله الشيء قبل أن يكون لا يترتب عليه شيء من جهة فعل العبد لأن العبد لم يبل به حتى يتبين الأمر فإذا بلي به العبد
واختبر به العبد حينئذ يتبين أنه استحق الثواب أو العقاب فيكون المراد بقوله حتى نعلم المجاهدين أي علما يترتب عليه الجزاء وقال بعض أهل العلم المراد حتى نعلم المجاهدين أي علم ظهور يعني
حتى أثر الشيء لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون وعلمه بعد كونه علم بأنه كان وفرق بين العلمين فالعلم الأول علم بأنه سيكون والثاني علم بأنه كان ويظهر لك الفرق لو أن شخصا
قال لك سوف أفعل كذا وكذا غدا مثلا فالآن حصل عندك علم بما أخبر به ولكن إذا فعله غدا صار عندك علم آخر أي علم بأن الشيء الذي حدثك أنه سيفعله قد فعله فعلا فهذا نوجها في تخريج قوله
تعالى حتى نعلم الوجه الأول أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الثوابع والعقاب وهذا لا يكون إلا بعد البلوة بعد أن يبتل الله العقب وأختبره أو أن المراد به وهو الاحتمال الثاني أن
المراد به علم الظهور لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون فإذا كان صار علمه تعالى به علما بما كان وقول حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين المجاهد هو الذي بذل جهجة لإعراء
كلمة الله فيشمل المجاهد بعلمه والمجاهد بالسلاح كلاهما مجاهدون في سبيل الله المجاهد بعلمه الذي يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس ويجعل هذا وسيلة لتحكيم شريعة الله هذا مجاهد والذي
يحمل السلاح لقتال الآدى هو أيضا مجاهد في سبيل الله إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله العلم وقوله تعالى ونبلو أخباركم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين أي الذين يصبرون
على ما كلفوا به من الجهاد ويتحملونه ويقومون به ونبلو أخباركم أي نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهورا يترتب عليه التواب والعقاب والله ورحم