335 - 459 - تفسير الآية ( 155 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ثم قال الله عز وجل إن الذين تولوا منكم يوم أتقى جمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا أولا في العراق إن الذين تولوا منكم هذه جملة مؤكدة بإن والذين اسمها اسم إن وقوله إنما
استزلهم الشيطان هذه الجملة خبر إن إنما استزلهم وقوله ورقد عف الله عنهم جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي القسم واللام وقد يقول الله عز وجل مخبرا عن هؤلاء الذين تولوا يوم أحود وانهزموا
يقول إن الذين تولوا منكم يوم أتقى الجمعان الجمعان مثنى جمع والمراد بهم جمع الرسول عليه الصلاة والسلام وجم الكفار المصلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم والكفار بقيادة أبي سفيان
يقول إن الذين تولوا منهم تولوا يعني أدبروا وهربوا وهم أكثر الجيش حتى إنه لم يبقى مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا نحو ثلاثة عشر رجلا منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم هؤلاء الذين
تولوا يوم ألتقى الجمعان أي تلاقوا وجه لوجه إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسب استزل في الأصل طلب الزلة يعني إنما صدهم الشيطان من أجل أن يطلب زلتهم وقيل إن استزل بمعنى أزل يعني إنما
أزلهم والمراد بأزل أي أوقاعهم في الزلل والزلل هو الخطأ والانحراف عن الصواء وقال إنما استزل لهم الشيطان الشيطان الشيطان اسم جنس ولكل إنسان الشيطان قرين الله يمره بالخير يمره بالشر
وينهاه عن الخير والشيطان هنا يقولون إنه مشتق من شطن إذا بعد لبعده عن رحمة الله ومن أجل ذلك كان منصرفا كما قال تعالى وحفظناها من كل شيطان رجيم وقال بعضهم إنه من شاطا ولو كان كذلك
لكان غير منصرف إذا قصد به العلم لأنه إذا كان من شاطا صارت النون والألف زائدتين وإذا كانت النون والألف زائدتين في علم أو في وص امتنع من الصرف إنما سزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ألبهن
للسببية أي ببعض الذي كسبوه الذي كسبوه وما هو الذي يكون سببا لأغواء الشيطان من المكاسب هو المعاصب أي أن لديهم ذنوبا كانت سابقة ثم إن الشيطان استزلهم بها أي أوقعهم في الزلل بسبب هذه
الذنوب لأن الذنوب تكون سببا للذنوب الأخرى ولهذا قال بعض السلف إن من علامة قبول الحسنة الحسنة الحسنة بعدها ومن علامة ردها السيئة بعدها فالإنسان إذا أذنب ذنبا فإنه إن لم يتب فإن
الشيطان يوقعه في ذنب آخر وهكذا حتى يصبح قد أحاطت به خطيئته والعياذ بالله ولهذا قال العلماء إن المعاصي بريد الكفر يعني تنتقل من الإنسان مرحلة بعد أخرى حتى يصل إلى قمة المعاصي وهو
الكفر ثم قال الله عز وجل لما بيّن خطأهم وأنهم هم السبب في هذا الخطأ قال ولقد عفى الله عنهم وهذه كالتي سبقت في قوله ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفى عنكم فكر الله العفو مرسين ولقد
عفى الله عنهم أي عن الذين تولوا والعفو ترك المؤاخذة على الذنب ويكون في الغالب في ترك الواجبات يعني أنه يعفو عمن ترك الواجب والمغفرة تكون في من فعل المحرم ولقد عفى الله عنهم إن الله
غفور حليم الغفور من أسماء الله هو الحليم من أسمائه والغفور معناه ذو المغفرة وهي ستر الذنب والتجاوز عنه لأن أصلها من المغفر وهو ما يلبس على الرأس يتقى به السهام وهو جامع بينه الستر
والوقاية أما الحلم فهو التأني وعدم السرعة ولهذا قال ابن القيم رحمه الله وهو الحليم فلا يعاجل عبده بعقوبة ليتوب من عصيانه شمال الحليم منه المنهل للعباد المتأني في عقوبتهم