316 - 459 - تفسير الآية ( 149 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

قال الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى عَقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ صدّر الله هذه الآية بالنداء والتصدير بالنداء يدل على العناية بما سيوجه للمخاطب وذلك لأن النداء يفيد التنبيه ولو ينبه الإنسان إلا لشيء مهتم به فإذا وجه الله الفطاب أو إذا صدّر الفطاب بالنداء فهو دليل على العناية به لأهميته ثم وجه إلى العباد باسم الإيمان يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا والغرض من ذلك هو أولاً الإغراء والتشجيع على قبول ما يلقى لأن الإيمان هو الذي يحمل الإنسان على قبول ما أمره الله به وعلى ترك ما نهى الله عنه ولهذا قال ابن مسود رضي الله عنه إذا قال الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَعَرْعِهَا سَمْعَكَ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌ تُنْهَى عَنْهُ ويفيد أيضاً فائدة ثانية وهو أن قبول المذكور من مقتريات الإيمان كما أنك لو وجهت إلى شخص كريم وقلت له يَا أَيُّهَا الْكَرِيمِ أَعْطِي الْفَقِيرُ وَأَعْنِ الْمُحْتَاجِ فإن هذا يدل على أن إعطاء الفقير وإعانة المحتاج من مقترى كرمه إذن قبول ما يأتي بعد هذا الخطاب يدل على أن يكون هذا من مقترى الإيمان الفائدة الثالثة أو الغرض الثالث أن عدم قبوله نقص في الإيمان لأنه إذا وجه الخطاب إلى الإنسان بلط الإيمان ولكن لم يمتثل فهذا نقص في إيمانه لأن ما يأتي بعد النداء يا أيها الذين آمنوا إما مأمور به أو منهين عنه أو مخبر به فترك المأمور نقص في الإيمان والوقوف المحضور نقص في الإيمان والتكذيب بالخبر نقص في الإيمان استمع إلى هذا الخبر من الله عز وجل خبر منه عليم بكل شيء إن تطيع الذين كفروا وإن هنا شرطية وفعل الشرط تطيعوا ولكنه لم يجزم هكذا نقول مجزوم بماذا؟ بحذف النون والوافاعل لأنه من الأفعال الخمسة وأما جواب الشرط فهو قوله يردوكم يردوكم على أعقابك وهو مجزوم بحذف النون والوافاعل قوله يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا إذن هناك أمر موجه من الكفار إلى المؤمنين لأن الطاعة تقابل الأمر أو نهي موجه من الكافرين إلى المؤمنين يعمرونهم بالفحشاء وينهونهم عن المعروف فإن طعتموهم في ذلك فالجواب يردوكم على أعقابك وقوله إن تطيعوا الذين كفروا عامة يشمل اليهود والنصارى والمشركين والملاحدة الذين ليس لهم دين ولا تعبدون بشيء أي واحد من الكفر إذا أمرك بشيء فأطعته فإنه يردك على أعقابك فتنقلب خاسرا وقوله إن تطيعوا الذين كفروا أي فيما يتعبدوا به لله أما في المسائل الأخرى كمسائل الصناعة مثلا فإنه لا يدخل بالآية لا شك لو أن مهندسا من الكفار أمرك أن تصنع كذا لتكون النتيجة كذا فإنه لا يدخل في الآية إنما يقصد به ما يكون على سبيل إيش على سبيل التعبد يأمرك بالفحشاء شرب الخمر بالسرقة بسوء الأخلاق أو ينهاك عن المعروف ينهاك عن الصلاة ينهاك عن الإخلاص لله وما أشبه هذا وقوله يردوكم على أعقابكم الأعقاب جمع عقب وهو مؤخر القدم ويقال له العرقوب يعني يجعلكم يجعلونكم تمشون على الخلف على الخلف ومعلوم أن الذي يمشي على الخلف سوف يقع في الحفر ويطأ الشوق والحصى وهذا قريب من قوله تعالى أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صلاة المستقيم فهم يردوكم على أعقاب فتنقلب خاسرين تنقلب الانقلاب يقتضي التحول من حال إلى حال ولهذا يقال انقلب من الجنب في فراشه انقلب في فراشه من الجنب الأيمن إلى الجنب الأيصى إذن هناك تحول من حال إلى أخرى إذا أطعنا هؤلاء الكفاء تنقلب وقوله خاسرين هذه حال حال من الواو في قوله تنقلب أي تكون في خسارة بعد أن كنتم في ربح لأن الإيمان ربح كما قال تعالى والعصري إن الإنسان لفي خسر أي إنسان كل ولهذا أل هنا للعموم أي إن كل إنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر الذين اتصفوا بهذه السباة الأربع هم الرابحون ومن سواهم فهو خاسر خاسر خاسر عصر خاسر عصر وهذه الحكمة من أن الله أقسم بالعصر دون غيره لأن العصر هو خزائن الأعمال فإذا لم يقم الإنسان بهذه السباة الأربع خسر عصرهم وكان عمره خسار طيب تنقلبوا خاسرين لأنكم تحولتم من إيش؟ من الكفر من الإسلام إلى الكفر وفي آية أخرى سبقت يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين فهنا قال الذين كفروا وهنا أدخل فريقا من الذين أوتوا الكتاب لأن الذين أوتوا الكتاب بعضهم فيه خير كما قال تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وهذا من بلاغة القرآن لما قال ان تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب قال يردوكم بعد إيمانكم كافرين فريقا منهم أما الكفار فكل الكافرين يريدون مننا أن إيش؟ أن نكفر وأن ننقلب على عقابنا خسر