313 - 459 - تفسير الآية ( 147 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

قال الله تعالى وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتَ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لما ذكر الله سبحانه وتعالى حسن فعل هؤلاء الربيون الذين قاتلوا مع الأنبياء وقتلوا وأنهم ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكان وهذا حسن فعل ذكر حسن قولهم فقال وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وهذه جملة مفيدة للحصر يعني حصرت أقوالهم عند هذه المصائب أنهم سألوا الله المغفرة مغفرة الذنوب والإسراف وسألوه الثبات وذلك لأن ما أصابهم إنما أصابهم بالذنوب كما قال الله تعالى أو لما أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أن هذا قل هو من عند أنفسكم إذن علاقة هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر حسن فعالهم ذكر حسن مقالهم طيب قوله وَمَا كَانَ قَالُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا من حيث الإعراب يقول المعربون إن قول خبر كان مقدما وأن وما دخلت عليه في أن قالوا اسمها مؤخرا وعلى هذا فهو من باب التقديم خبر كان وخبر كان يكون جائز التقديم وواجب التقديم وممتنع التقديم حسب السير فإذا كان الخبر من ماله الصدارة كاسم السفهان مثلا واسم الشرط كان واجب التقديم كما تقول أين كان زايد وإذا كان في الاسم ضمير يعود على الخبر فقد يكون واجب التقديم أيضا والأصل هو جواز التقديم والتأخير هذا الأصل لكن قد يجب التقديم أحيانا وقد يؤخر فهنا قدمه جوازا أو وجوبا نعم على كل حال بحسب التلاوه وجوبا لأنه لا يجوز أن نغير كلام الله لكن لو كان في غير القرآن لكان جوازا وما كان قولهم يعني عند حدوث القتل إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا إلا أن قالوا الضمير يعود على الباقين منهم الذين لم يقتلوا لأن الذين قتلوا لا يمكن أن يقولوا هذا ربنا اغفر لنا ربنا يعني يا ربنا فهو منادى حذبة منه يا النداء تخفيفا وتيمنا بالبداءة باسم الله فحذب يا النداء هنا له وجهان الأول التخفيف والثاني ليش التيمنا بالبداءة باسم الله إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ربنا نادى الله تعالى نادوا الله تعالى عند الدعاء باسم الربوبية لأن الربوبية هي التي فيها التصرف وإجابة الدعاء من باب الربوبية والألوهية من باب الربوبية فتوسلوا باسم الله الذي يناسب ما يطلقون وهو إجابة الدعاء إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا اغفر يعني استر وتجاوز لأنهم أخوذوا من المغفر وهو ما يقي به المقاتل مقاتل رأسه من السهام وفيه أي في المغفر السطر والوقاية ولهذا لو أن الله سبحانه وتعالى هاتك سطر المذنب لم تكن المغفرة التامة ولو عذبه به وأخفاه عن الناس لم تكن المغفرة التامة فإذا ستره وعفى عنه صارت المغفرة تامة ربنا اغفر لنا ذنوبنا أصل الذنوب يطلق على معاني متعدلة منها النصيب كما قال تعالى فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم أي نصيبا ومن ثمي ذنوب الماء أي الدلو لأنه شيء مقدر من الماء ويطلق الذنب على الإثم لأنه نصيب العامل فمن يعمل مثقال ذرة خيريرة ومن يعمل مثقال ذرة شريرة فهذه المادة الذال والنون والبأ تدور حول هذا المعنى ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا الإسراف مجاوزة الحد ومجاوزة الحد هي إما في غلو وإما في تقصير أما مجاوزة الحد في الغلو فظاهر وأما في التقصير فلأن المطلوب من المكلف أن لا يتعدى حدود الله تجاوزا ولا يقربها أيضا فإذا كان الإنسان فاعلا للمحرم فهو مسرف لأنه تجاوز حد العبودية إذ مقتضى العبودية أن يكون مجتنبا لما حرم الله وإذا فرط في الواجب كان مسرفا أيضا فيما تقتضيه الربوبية العبودية لأن المقتضى العبودية أن يكون قائما بالواجب فالإنسان قد يسرف في الواجب وفي المحرم وفي المباحي أيضا كما لو أصرف في الإنفاق على نفسه وعلى أهله فإنه داخل في الإسراف وقال وإسرافنا في أمرنا المراد بالأمر هنا الشأن أي في شأننا وهو مفرد مضاف فيعم جميع الأمور وثبت أقدامنا ثبت أقدامنا متى؟ عند ملاقات الأعداء وعند حلول الشبهات وعند ورود الشهوات فالإنسان محتاج إلى أن يثبته الله في مواطن القتال إذ لو لم يثبته الله إيش؟ لفر محتاج إلى أن يثبته الله عند الشبهات إذ لو لم يثبته الله لزاق محتاج إلى أن يثبته الله عند الشهوات إذ لو لم يثبته الله لهلك وكثير من الناس ينزلقون عند وجود الشبهات فتجده ذا يقين ولكنه إذا وردت عليه أدنى شبهة تأثر لأنه لم يثبت كثير من الناس أيضا يكون عنده علم ويقين وليس عنده شك ولكن الشهوة قد تغلبه قد تغلبه فلا يثبت فتثبت الأقدام في كل موضع يمكن أن تزل فيه فيدخل في ذلك كما قلت تثبت الأقدام عند القتال كما هو سياق الآيات وتثبت الأقدام عند الشبهات وتثبت الأقدام عند الشهوات نعم وثبت أقدام وانصرنا وانصرنا على القوم الكافرين انصرنا يعني اجعل النص لنا وهو الغلبة على القوم الكافرين يعني الكافرين بالله فيدخل في ذلك أن ينصرك الله عز وجل على نفسك لأن نفسك إن لم ينصرك الله عليها فإنها تأمرك بالسوء وما أبرع نفسي إن النفس الآن مارة بالسوء وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا فإذا لم ينصرك الله عليها أهلكتك وإذا نصرك الله عليها وجعل الغلبة للنفس المطمئنة سلمت منها ويدخل في النص على قوم الكافرين النصر على الشيطان فإن الشيطان كافر قال الله تعالى إلا إبليس أبا والسكبر وكان من الكافرين ويدخل في ذلك النصر على كفار الأنس وذلك حين قتالهم فإن الإنسان إذا لم ينصر الله عليهم فإنه لا نصر كما قال تعالى إن ينصركم الله فلغالب لكم ويغتلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده طيب في هذه الآية من الفوائد إن هؤلاء الربعيون إن هؤلاء الربعيين الذين قاتلوا مع النبي كملت منهم الأفعال والأقوال الأفعال ما استكام ما ضعفوا ما وهنوا ما وهنوا ما أصابهم بسبب الله وما ضعفوا ما استكام الأقوال أنهم لجوا إلى الله عز وجل بسؤال مغفرة مغفرة الذنوب والإصلاف الأمر لأنهم يعلمون أن ما أصابهم إنما هو بسبب الذنوب ومن فوائد هذه الآية أنه ينبغي الإنسان أن يدعو الله تعالى بهذا الدعاء لا سيما عند ملاقات الكفار حتى ينتصر عليهم ربنا اغفرنا لذنوبنا وإصرافنا في أمرنا وثب تقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ومن فوائد هذه الآية أن الإنسان مفتقر إلى مغفرة الله لقوله ربنا اغفر لنا ولو كان غنيا عنها ما سألها ولكنه مفتقر إليها قاية الافتقار حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما حدث أصحابه أنه لن يدخل الجنة أحد بعمله إلا أن يتغمدني الله برحمته ومن فوائدها أيضا أن الإنسان لا يخلو من الإصراف على نفسه لا يخلو من الإصراف إما في غلو وإما في تقصير ووجه ذلك أن سؤالهم الله أن يغفر لهم الإصراف يدل على وجود هذا الشيء يدل على وجوده وأنت إذا تعملت نفسك وجدت أنك لن تخلو من الإصراف ومن فوائد هذه الآية أن الإنسان مفتقر إلى إثبات القدم أو إلى تثبيت القدم من الله عز وجل لقوله وثبت أقدامنا وقد ذكرنا أن هذا يشمل ثلاثة مراط عند مواجهة الأعداء وعند الشبهات وعند الشهوات ومن فوائدها أيضا أن الله إذا لا منصرك على أدوك فإنك لن تنتصر لقوله وانصرنا على القوم الكاثرين فإن قلت هل هذا يعارض أمر الله عز وجل باتخاذ ما نستطيع أو بعجاد ما نستطيع للأعداء من القوة فالجواب لا لأنك إذا سألت الله شيئا فإن المطلوب منك أن تسعى في حصوله وإيجاده ولهذا لو سألت الله الجنة فالمطلوب منك أن تعمل له لا أن تقول اللهم أني أسلق الجنة وتسلق العمل كذلك إذا سألنا الله أن ينصرنا على قوم الكافرين فإن علينا أن نفعل من الأسباب ما نستطيع سواء كانت هذه الأسباب معنوية أو مادية أو مادية