290 - 459 - تفسير الآية ( 137 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

قال الله تبارك وتعالى قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين قد خلت جملة محققة بقد لأن قد إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التحقيق وإذا دخلت على الفعل المضارع تفيد التقليل وقد تفيد التحقيق بالقرائم فقول القائل قد يجود البخيل هذه للتقليل وقوله تعالى قد يعلم الله معوقين منكم هذه تفيد التحقيق أما إذا دخلت على الماضي فإنها تكون للتحقيق فقول المقيم قد قامت الصلاة قد خلت أي مضت من قبلكم سنن الفطاب لهذه الأمة والسنن جمع سنة وهي الطريقة والمراد بها سنن الله عز وجل في المكذبين حيث يأخذهم ويدمرهم كما قال تعالى فلنسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثاله قال دمر الله عليهم يعني أهلكهم وأبادهم واللكافرين أمثالها من هذه الأمة نعم إذن سنن جمع سنة وهي الطريقة والمراد بها طريق الله تعالى في المكذبين وقال في المكذبين للرسل حيث تكون عاقبتهم الهلاك والدمار وقول فسيروا في الأرض ألفاء هنا للترتيب وهي عاطفة عطف جملة على جملة وصيروا فعل أمر من السير وهو المشي والمراد به هنا سير القلوب وسير الأقدام أما سير القلوب فهو بالتفكر أن يتفكر الإنسان في الأمم السابقة السابقة عليه زمنا وكذلك يتفكر في الأمم السابقة عليه مكانا كما قال تعالى وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِلِلِلْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فالإنسان يسير بقلبه ويسير بقدمه أما سيره بقلبه فهو أن يتفكر في عاقبة من مضى زمنا وفي عاقبة من مضى مكانا فمثلا ديار آل ثمود موجودها الآن يفكر الإنسان فيها زمنا أو مكانا يفكر فيها مكانا وزمانا فينظر كيف كان عاقبته السير بالقدم قد يكون أشد وقعا من السير بالقلب لأن الإنسان يصل به إلى حق اليقين والمشاهدة بالعيد والسير بالقلب أعم وأشمل لأن الإنسان يصل به إلى ما لا يمكنه الوصول إليه بالسير قدما أليس كذلك؟ طيب وقول السير في الأرض في للظرفية ولكنها عند المفسرين هنا بمعنى على أي سيروا على الأرض لأن السير في جوف الأرض غير ممكن وغير مفيد أيضا وإنما مفيد السير على ظهر الأرض وقولوا سيروا في الأرض أي أرض من سبق فأل هنا للعهد للعهد المفهوم من قوله قد خلت من قبلكم سنن أي سيروا في أرضهم وانظروا كيف كانت عاقبته وقوله فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين انظروا بعين البصر أو بعين البصيرة أو بهما بهما جميعا بهما جميعا فإن وصل إلى مكان هؤلاء الأمم فالنظر يكون بعين البصر وبعين البصيرة وإن لم يصل ولكنه فكر في قلبه فالنظر يكون بعين البصيرة لأن البصر لا يمكن أن يصل إليه وهو ينظر في قلبه فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين انظروا في الأمر وهي تنصب المفهولة به لكنها علقت عن العمل لأنه وليها جملة استفهامية والجملة الاستفهامية إذا ولت الفعل المتعد علقته عن العمل علقت يعني منعت وعلى هذا فتكون الجملة في قوله كيف كان عاقبة المكذبين في محل نصب مفعول انظروا أما إعراب كيف كان عاقبة المكذبين تفصيلا فإن كيف اسم السفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدما وتقديمه هنا واجب أو جائز واجب لأن الاستفهام له صدر الكلام فإذا وقع خبرا واجب تقديمه إذا وقع السفهام خبرا واجب أن يقدم فهنا كيف اسم السفهام بما فتح محل نصب خبر كان وعاقبة اسمها اسمها وأما المكذبين عاقبة المكذبين أي مآل أمرهم عاقبة الشيء ما يعقبه ويعول إليه الشيء والمكذبين هنا المراجبهم المكذبين لله ورسلهم فماذا كان عاقبتهم كان عاقبتهم والهلاك والدمار وعقوبتهم على حسب ذنوبهم كما قال الله تعالى فكلا أخذنا بذنبه كلا أخذنا بذنبه فمنهم من أخذتهم الصيحة ومنهم من خسنا بالأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن فمنهم أرسلنا حاصبا ومنهم من أخذتهم الصيحة ومنهم من خسنا بالأرض ومنهم من أغرقنا الذين أرسلوا الله إليهم حاصبا مثل قوم لوط قوم لوط إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا على لوط نجيناهم بسحة ومنهم من أخذته الصيحة كقوم صالح ثمود ومنهم من خسنا به الأرض كقارون ومنهم من أغرقنا كفرعون وقوم نوح أرقهم الله عز وجل حسب ما تقتضيه الحكمة والعقول قاصرة غالبا عن معرفة تناسف العقوبة والعمل طبالك أقول إن العقول طاصرة غالبا عن معرفة التناسب بين العقوبة وبين العمل وأقول غالبا لأنها أحيانا قد تعرف المناسبة فمثلا نحن نعرف مناسبة إهلاك عاد بالريح وأنهم كانوا يقولون من أشد منا قوة فأراد الله عز وجل أن يريهم أنه يهلقهم بما هو من ألطف الأشياء وهو الريح الهوى الهوى العطيف ومع ذلك دمر الله بها هذه الأمة التي تفخر بقوتها في آل فرعون كان فرعون يعتز بالأنهار التي تجري من تحته ويقول لقومه يا قومي أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحته أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبيه فأهلكه الله عز وجل بجنس مفتخر به وهو الماء والباقي أنا لا أستطيع أن أحدد تناسب بين العمل وبين العقوبة لكن قوله تعالى فكلنا أخذنا بذنبه يدل على أن العقوبة تناسب العمل ومن أمثال المشهورة عند الناس كما تدين تدان طيب