274 - 459 - تفسير الآية ( 129 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ثم قال الله تعالى ولله ما في السماوات وما في الأرض لما ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له من أمر شيء فمن دونه من الخلق من باب أولى بيّن لمن يكون الأمر فقال ولله ما في السماوات
وما في الأرض اللام هنا للاستحقاق والاختصاص والملك يعني لله ملكا واختصاصا واستحقاقا والخبر الجار المجرور مقدم على المبتدى لإفادة الحصر يعني لله لا لغيره وقوله ما في السماوات وما في
الأرض ما اسمه وصول يشمل كل ما في السماوات والأرض من إنس وجن وحيوان وجماد وغير ذلك وعبر بما إما لأن غير العاقل أكثر من العاقل فصار هذا من باب التغليب وإما لأن المقصود الأعيان
والأوصاف وإذا كان المقصود الأعيان والأوصاف فإنه يؤتى بما لا بمن ومنه قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ولم يقل من لأنه ليس المقصود العين المقصود الوصف الذي يطيب لكم وتركنون
إليه على كل حال سواء كان سماء أو من باب التغليب أو لأنه يقصد لذلك الأعيان والأوصاف فإنها تدل على العموم وأن جميع ما في السماوات وما في الأرض لله وقول السماوات هذه جمع وقد صرح الله
تعالى في القرآن بأن السماوات سبع كما قال تعالى قل من رب السماوات السبع ورب الأرش العظيم أما الأرض فليس في القرآن نص على أنها سبت وإنما فيه ظاهر يعني ما يدل ظاهرا على أن الأرضين سبت
وهو قوله تعالى الله الذي خلق سبع سماوات هو من الأرض مثلهم فإن المثلية هنا لا يمكن أن تكون مثلية الجنس والنوع والصفة لأن الأرض مختلفة عن السماوات اختلافهم ظاهرة فتعين أن يكون المراد
المثلية بالعدد وقد جاءت السنة مصريحة بذلك بأن عدد الأراضين سبع ولكن هذه الأراضون السبع هل هي متجاورة أو متطابقة كالسماوات ظن بعض العلماء أنها متجاورة وأن المراد بها القارات السبع
ولكن هذا ليس بالصحيح والصحيح أنها متطابقة أي بعضها فوق بعض ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوّقه يوم القيامة من سبع أراضي فإن هذا يدل على أنها
متطابقة إذ لو لم تكن كذلك لم يعذب هذا الذي اقتطع شبرا من الأرض إلا بأرض واحدة فقط ثم هل هي متلاصقة أو متباينة قال بعض العلماء إنها متلاصقة وقال آخرون بل هي متباينة أي بين كل طبقة
أي بين كل أرض والأخرى فاصل هوى والله أعلم بذلك الله أعلم وربما نطلع عن طريق العلم الحديث على الراجح من هذين القولين وقول ما في السماوات وما في الأرض قال يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
يغفر مضارع من المغفرة والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال فإنه ساتر للرأس وواقل للرأس أعلم كذلك ساتر وواقل فالمغفرة هي ستر الذنب
والتجاوز عنه وقوله لمن يشاء هذه الآية مقيدة بماذا مقيدة بالحكمة أي من اقتضت حكمته وأن يغفر له غفر له هذا واحد ثاني مقيدة بما عدى الشرك فإن الله يقول إن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لكن المشرك لو أسلم لغفر الله له لقوله تعالى قل للذين كفروا ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف فيكون إذن من يشاء أي من اقتضت الحكمة المغفرة له لأن مشيئة الله مقرونة
بالحكمة يستهلم من ذلك من المشرك لقوله إن الله لا يشرك به ويغفر ما دون ذلك لم يشاء ما لم يتب فإن تاب غفر له لقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قصره وقوله يعذب من يشاء
يعني ممن يستحق التعذيب وقوله يعذب من يشاء هل يستثنى منه المشرك لا لا يستثنى منه المشرك لأن المشرك قد أعلمنا الله تعالى أنه لا يشاء ويغفر له فلا يكون داخلا في المشيئة بل هو يعذب
المشرك قطعا لأن وعده لا يخلع سبحانه وتعالى فالمشرك لا بد أن يعذب إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه جنة ومعواه النار وما للظالمين من أصار لكن لو تاب لو تاب فإن الله يتوب عليه
ويغفر له ثم قال والله غفور رحيم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين مناسب جدا لقوله يغفر لمن يشاء فلكونه غفورا صار يغفر لمن يشاء طيب الغفور اسم من أسماء الله المتعدية أو اللازمة
متعدية إذن لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور الإيمان بأنها اسم من أسماء الله والثاني الإيمان بما تضمنته من صفة والثالث الحكم المترتب على هذه الصفة وهو أنه يغفر يعني ليس غفارا بلا
ما غفرة بل هو يغفر فنستفيد إذن من هذه الآية إثبات الاسم الغفور إثبات الصفة المغفرة إثبات الحكم المترتب على هذا أنه يغفر بهذه المغفرة الرحيم أيضا اسم من أسماء الله والرحيم عنه هو ذو
الرحمة المقتضية للإحسان والإنعام فالإحسان والإنعام من مقتضى الرحمة وليس هو الرحمة بل هو من مقتضاه لرحمته يحسن وينعن وقد فسر من ينكرون الرحمة فسر الرحمة بأنها الإحسان أو إرادة
الإحسان وهؤلاء هم الأشاعر أف الله عنه وعنه يقولون إن الله ليس له رحمة لماذا قالوا لأن الرحمة رقة ولين وخضوع للأمر الواقع فيقال لهم هذه رحمة من رحمة المخلوق أما رحمة الخالق فلا
تتضمنوا نقصا أبدا بل هي كمان محط ثم إن قولكم إنها رقة ولين فنقول إن الرقة ولين صفة مدح لأنها خير من الغلظة ولهذا قال الله تعالى إن رحمتي سبقت غضبي وقوله منها توجب أن الإنسان يخضع
للأمر الواقع ومعش بذلك حتى يرحم نقول هذا بالنسبة لمن بالنسبة لرحمة المخلوق أما رحمة الخالق فلس فيها خضون إطلاقا ثم إنه منقوض عليكم لأنه يوجد مثلا رجل قصر ملك من الملوك الذي لا أحد
ينابذه فيما يتكلم به ويكون عندهم رحمة شيء عظيم من فوائد هذه الآية بيان عموم ملك الله سبحانه وتعالى لقوله ما في السماوات وما من صيغ العموم كما هو معروف ثانيا انفراد الله بذلك لتقديم
الخبر والخبر حقه التأخير ومن طرق الحصر تقديم ما حقه التأخير ومن فوائد هذه الآية إثبات تعدد السماوات وقد بيان الله تعالى في كتابه أنها سبع سماوات وأما الأرض فذكرت بصيغة الإفراد
والمراد الجنس فيشمل جميع الأراضين وقد بيان في السنة أنها سبع من فوائد العيات الكريمة إثبات المغفرة لله لقوله يغفر وإثبات التعذيب لقوله يعذب ويترتب أو يتفرع على هذه هاتين الفائدتين
إثبات تمام سلطانه في ملكه وأن الأمر له في التعذيب والمغفرة ومن فوائدها إثبات المشيئة لقوله لمن يشاء وقوله من يشاء والمشيئة تأتي كثيرا في القرآن الكريم ولكنها مقرونة بالحكمة أي من
اقتضت الحكمة المغفرة له ومن اقتضت الحكمة أن نعد ومن فوائد هذه الآية إثبات الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما الغفور والرحيم وإثبات ما تضمناه من صفة وهي هنا لا إثبات ما تضمناه من
صفة وهي المغفرة ما أخوذها من الغفور والرحمة ما أخوذها من الرحيم طيب ومن فوائدها أيضا إثبات الحكم المترتب على ذلك وهو ما يعرف عند بعض العلمة بالأثر وهو أنه يغفر ويرحم يغفر ويرحم
والقاعدة في أسماء الله أنه إذا كان الاسم متعديا فإن الإيمان به يتضمن ثلاثة أمور الإيمان بكونه اسم من أسماء الله وبما دل الله عليه الصفة وبالحكم الذي يترتب على ذلك وإذا كان لازما
غير متعد فإن الإيمان به يتضمن الإيمان به اسم من أسماء الله والإيمان بما دل عليه من الصفة